فهرس الكتاب

الصفحة 5547 من 27364

بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم د . أحمد إدريس الطعان

بريد إلكتروني:ahmad_altan@maktoob.com

الفكر الرشدي وبوادر العلمنة:

درج بعض الباحثين على البدء بالتاريخ للعلمانية منذ عصر النهضة ( ) الذي يؤرخ لبدايته عادة مع فتح القسطنطينية في عهد السلطان محمد الفاتح سنة 1453 ( ) .

كما درجوا عادة على اعتبار مساوئ الكنيسة واضطهادها وتاريخها الأسود ( ) هو الذي أنتج العلمانية ( ) . بيد أننا إذا رجعنا إلى الوراء قليلاً إلى القرن الثالث عشر سنجد أن بدايات الصراع بين الفكر والكنيسة يمكن أن يعتبر من آثار ترجمة الفكر الرشدي إلى اللغة اللاتينية ، وبالتالي فيمكن القول: إن الفكر الرشدي العلماني - بالاعتبار الغربي - هو الذي أنتج الاضطهاد الكنسي ، ثم إن هذا الاضطهاد ساهم في شيوع الفكر الرشدي وانتشاره في الغرب ، ذلك أنه من المعروف في تاريخ المعتقدات والآراء أن أكثر ما يسهم في انتشارها هو الاضطهاد والقمع والمحاصرة ( ) .

لقد حرر الفكر الرشدي الغرب من سيطرة الكنيسة فبدأ يراجع مسلماته التي ظلت طيلة ألف عام فوق العقل ، ولا يجرؤ أحد على المجاهرة بما يناقض المسلمات الكنسية . وقد تم ذلك على يد ميشيل سكوت فهو أول من أدخل ابن رشد إلى اللاتين في القرن الثالث عشر ، وجميع كتب ابن رشد المهمة تقريباً تُرجمت من العربية إلى اللاتينية في أواسط القرن الثالث عشر . ( ) ومن المعروف لدى باحثي الفلسفة أن ابن رشد تبنى مذهب أرسطو وانبهر به انبهاراً لا يقل عن انبهار بعض المعاصرين اليوم بالفكر الغربي وسمي"الشارح"وعرف في الغرب بهذا اللقب ( ) لقد كاد ابن رشد أن يفضل أرسطو على الأنبياء واعتبره أكمل البشر حين قال:""نحمد حمداً لا حد له ذاك الذي اختار هذا الرجل - أرسطو- للكمال فوضعه في أعلى درجات الفضل البشري التي لم يستطع أن يبلغها أي رجل في أي عصر كان"" ( ) .

وإذا كان العلمانيون اليوم يشيدون بابن رشد ويعتبرونه رائد عصر التنوير ، وسيد العقلانيين العرب ومطلق ثورة العقل العربي . ( ) ويهاجمون الفكر الإسلامي السلفي باعتباره فكراً تقليدياً ،ويُسمُّون دعاة هذا الفكر"ملاك الحقيقة المطلقة" ( ) ويتهمونهم بممارسة الإرهاب الفكري بالإقصاء والنفي فإن رائدهم هذا هو الذي ينفي كل الآخرين ويعترف بأرسطو وحده وذلك""لأن مذهب أرسطو [ بنظره ] هو الحقيقة المطلقة ، وذلك لبلوغ عقله أقصى حدود العقل البشري ، ولذا فإن من الحق أن يقال عنه: إن العناية الإلهية أنعمت به علينا لتعليمنا ما يمكن أن نتعلم"" ( ) 0

لقد تزامن انتقال الفكر الرشدي إلى الغرب مع عاملين:

العامل الأول: الفتح الثقافي الإسلامي والعربي للبلاد الأوروبية .

فقد كان هذا الفتح هائلاً ولم يكن ابن رشد وحده هو الذي يحتل الساحة الثقافية الأوربية بل أعلام كثر ، يقول أحد علماء اليهود مبيناً هذا الأثر:""إنه لم يبق بين اليهود الخاضعين للعرب واحد لم يترك دين إبراهيم ، ولم تفسده ضلالات العرب أو ضلالات الفلاسفة"" ( ) .

وقد بلغت السلطة الثقافية العربية في الغرب آنذاك أن بعض الأعلام الغربيين مثل أولهرد فون باث يعترف بأنه كثيراً ما نحل أفكاره الخاصة مؤلفين عرباً حتى تظفر بالرواج ( ) . والشاعر الفرنسي"فولشير الشارتي"سحره العرب أثناء الحروب الصليبية بأخلاقهم وحضارتهم فقال:""أفبعد كل هذا ننقلب إلى الغرب الكئيب ، بعدما أفاء الله علينا وبدل الغرب إلى الشرق"" ( ) .

وبين أيدينا نص طويل ولكنه يجلي الصورة بوضوح للعلاقة الثقافية آنذاك بين المسلمين والغرب يقول أسقف قرطبة"ألقارو"إن كثيرين من أبناء ديني يقرؤون أساطير العرب ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين ليس ليدحضوها ، وإنما ليتقنوا اللغة العربية ، ويحسن التوسل بها ،وأين نقع اليوم على النصراني من غير المتخصصين الذي يقرأ التفاسير اللاتينية للإنجيل ؟ واحسرتاه ! إن الشباب النصارى جميعهم اليوم الذين لمعوا وبذوا أقرانهم بمواهبهم لا يعرفون سوى لغة العرب والأدب العربي … منفقين المبالغ الطائلة في اقتناء الكتب العربية ، ويذيعون جهراً في كل مكان أن ذلك الأدب العربي جدير بالإكبار والإعجاب ، ولئن حاول أحد إقناعهم بالاحتجاج بكتب النصارى فإنهم يردون باستخفاف: وامصيبتاه ! إن النصارى قد نسوا حتى لغتهم الأم فلا تكاد تجد اليوم واحد في الألف يستطيع أن يدبج رسالة بسيطة باللاتينية السليمة ، بينما العكس من ذلك لا تستطيع إحصاء من يحسن منهم العربية تعبيراً وكتابة وتحبيراً . بل إن منهم من يقرضون الشعر بالعربية حتى لقد حذقوه وبذوا في ذلك العرب أنفسهم"" ( )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت