فهرس الكتاب

الصفحة 5548 من 27364

هذا العامل جعل الغربيين كما هو ملاحظ من النصوص ينبهرون بالحضارة الإسلامية الغازية مما حدا بالتنويريين والمتحررين منهم أن يتعاطفوا مع هذه الحضارة ، ويتقبلوا الفكر الوافد ليس على أنه فكر معاد . وإنما على أنه فكر إنساني يسهم في رقي الإنسان وتحضره حتى لقد كاد روجر بيكون 1211 - 1294م أن يُعدم حرقاً بسبب شغفه بكل ما هو عربي وتحمسه لعلومهم ، وطُرد من أكسفورد لمدة عشر سنوات بسبب شجبه للمعاملة غير الإنسانية للعرب ، ولهجه دائماً بأسماء علمائهم ، ومخالطته للكفرة أعداء الرب - المقصود العرب والمسلمين - وإشادته بآلاتهم وأجهزتهم ، وتدوينه لتجاربهم ، ونقده الدائم للنظام الكنسي ، فاتهم لذلك بالاشتغال بالسحر وحكم عليه بالسجن مدى الحياة ولكن التعيس مات شقياً بائساً بعد أن قضى خمسة عشر عاماً في أعماق السجن المظلم الرطب عام 1294م ( ) .

العامل الثاني: لقد ترافق انتقال الفكر الرشدي إلى الغرب مع أجواء الحروب الصليبية ، وحالة العداء الشديدة التي تزعمتها الكنيسة لكل ما هو عربي وإسلامي . كان ذلك منذ أن دعا البابا أوربان الثاني في القرن الحادي عشر الميلادي 1095 م في كلير مونت بفرنسا إلى تحرير قبر المسيح المقدس وكان يوصيهم قائلاً:""عليكم أن تُطهِّروا الأرض المقدسة التي يعيش فيها إخوانكم المسيحيون من أولئك الرعاع"" ( ) ، فبدأ الوعاظ يطوفون أوربا يؤلبون الفرسان"العاطلين عن العمل"بحماس لكي ينقذوا قبر المسيح ، وكانت هي في الحقيقة دعوى تخفي أطماع الكنيسة السياسية ( ) .

في تلك الأثناء التي كان الغرب يتربص بالمسلمين الدوائر، والكنيسة تُجيّش الفرسان ، وتُحمِّس الجنود لقتال الكفرة الفجرة كان الأسقف أجناتيوس في بيزنطة يتلقى رسالة من أخيه الروحي البطريرك تيودوسيوس من بيت المقدس يقول فيها:""إن العرب هنا هم رؤساؤنا الحكام وهم لا يحاربون النصرانية بل على العكس من ذلك يحمونها ويذودون عنها ، ويوقرون قساوستنا ورهباننا ويجلون قديسينا"" ( )

ولكن الخطب الحماسية الرنانة كانت قد فعلت فعلها في قلوب المسيحيين وأججت نار الحقد المسعور حتى دفعتهم أن يدخلوا بيت المقدس فيحصدوا الأرواح حصداً ، ومصادرهم الغربية تشير إلى أنهم ذبحوا قرابة عشرة آلاف إنسان في الشوارع من النساء والأطفال والرجال ( ) . ومما يزيد الجرح عمقاً أن أحد البطاركة نفسه كان يعدو في زقاق بيت المقدس وسيفه يقطر دما يحصد به كل من يواجهه ، ولم يتوقف حتى بلغ كنيسة القيامة فغسل يديه وهو يردد:""يفرح الأبرار حين يرون عقاب الأشرار ، ويغسلون أقدامهم بدمهم ، فيقول الناس حقاً إن للصديق مكافأة وإن في الأرض إلهاً يقضي"" ( )

لقد كان البابا يخاطب الفرسان الصليبين قائلاً:""أي خزي يجللنا ، وأي عار لو أن هذا الجنس من الكفار الذي لا يليق به إلا كل احتقار ، والذي سقط في هاوية التعري عن كرامة الإنسان ، جاعلاً نفسه عبداً للشيطان قد قُدِّر له الانتصار على شعب الله المختار"" ( ) .

وكانت الحملة الصليبية الثانية سنة 1144م شارك فيها لويس السابع 1121 - 1180م وكونراد الثالث 1093 - 1152 م ملكا فرنسا وألمانيا ولم تنجز شيئاً ( ) ثم استعاد صلاح الدين بيت المقدس سنة 1187 م ولم يفعل كما فعل النصارى قبل ثمان وثمانين عاماً بل احتل المدينة احتلالاً نظامياً وإنسانياً لم يؤذ فيه أحداً من النصارى ، ولم ينهب بيوتهم ، ثم أطلق الأزواج والأسرى ، وقدم الهبات والعطايا للأرامل واليتامى ( ) .

وفي سنة 1189م قاموا بحملة صليبية ثالثة شارك فيها فريدريك بربروسا 1152 - 1190 م ملك ألمانيا . وفيليب أغسطس 1165 - 1223م ملك فرنسا ، وريكاردوس قلب الأسد 1157 - 1199 ملك انكلترا ، ولكن الحملة باءت بالفشل ( )

وعموماً فقد نجحت الحروب الصليبية"المقدسة"في خلق شقة واسعة تفصل بين الشرق والغرب بدلاً من أن تعيد تدعيم الجسر الرابط بين ثقافتين تجمع بينهما في نهاية المطاف مفاهيم إيمانية مشتركة ( ) .

في مثل هذه الظروف العدائية احتك الفكر الرشدي بالغرب فما كان من الكنيسة إلا أن جندت سدنتها لمحاربة الفكر الرشدي الغازي فقامت بترجمة كتاب"تهافت التهافت"ترجمة لاتينية بعيدة كل البعد عن حقيقة الكتاب ومحشوة بالتحريف والتناقض والافتراء ( ) ،علماً بأن ابن رشد مشائي أرسطي في أغلب فلسفته ، والكنيسة كذلك كانت تتبنى نظرية أرسطو في الكون ، ولكن الذي منعها من مهادنته والتحالف معه هو أنه عربي مسلم . وبذلك كان جل خدام الكنيسة في القرن الثالث عشر متفقين على مناهضة الرشدية ومحاربتها ومن هؤلاء ريمون لول، وجيل دوروم ، وتوما الأكويني ، وألبرت الكبير ، وغليوم الأفرني ،وبترارك ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت