فهرس الكتاب

الصفحة 1457 من 27364

د. محمد مورو *

بعد عشرات السنين من اندلاع حركة التحرر الوطني في العالمين العربي والإسلامي ودول العالم الثالث عموماً، وبعد سلسلة من التجارب والمحاولات لتحقيق وبناء النهضة، اكتشف الجميع قادة ومفكرين أن مشروع النهضة التغريبي ـ أي الذي استند إلى وسائل وأساليب وأفكار مستمدة من الشرق أو الغرب ـ قد وصل إلى طريق مسدود، وأنه لم يحقق أياً من أهدافه المرجوة.

وكان من الطبيعي أن يطرح السؤال نفسه، وهو: لماذا أخفق مشروع النهضة التغريبي ووصل إلى هذا المستوى من الانهيار وعدم الجدوى؟ وفي رأينا أن هذا المشروع النهضوي ـ الذي استند إلى أفكار الحضارة الغربية وأساليبها، والذي تجاهل خاصية الذات الحضارية لبلادنا ـ كان من الطبيعي والمؤكد أن يصل إلى طريق مسدود؛ لأنه افتقد المقومات البديهية لأية نهضة؛ ولأنه تجاهل العديد من الحقائق العلمية حول عملية النهضة.

* إخفاق منهج النهضة:

إذا افترضنا حسن النية في هؤلاء الذين قادوا محاولات النهضة في بلادنا وفي تاريخنا المعاصر فإننا نجدهم قد وقعوا في خطأ علمي فادح؛ حينما تعاملوا مع منهجية التغيير بمعزل عن السياق الحضاري لها؛ لأنه في الواقع لا منهج هناك مجرّداً من مقولاته ونماذجه؛ لأنه تشكل في أحشاء النماذج التي عالجها، واكتسى باللحم من خلال الموضوعات التي ولدها. والمنهج يقوم ويتشكل عبر عملية معقدة من خلال نمط مجتمعي محدد، مما يحدد له مبادئه ومقولاته ونماذجه؛ فالمنهج الأوروبي في النهضة تكوَّن عبر تاريخ النمط الحضاري الأوروبي، ومن ثَمَّ فإن هؤلاء الذين أخذوا منهج التغيير الأوروبي ـ حتى لو رفضوا نظرياً المقولات الفلسفية الحضارية الأوروبية ـ إنما هم في الحقيقة يخدعون أنفسهم؛ لأن هذا المنهج خرج من خلال منظومة حضارية شاملة منهجاً ونماذج ومقولات، ومن ثَمَّ فإن هذا المنهج اكتسى وأخذ هذا الطابع الحضاري المميز له. ولكل حضارة شخصيتها المتميزة، ويكاد يكون من المستحيل زرع حضارة في بيئة حضارة أخرى؛ لأن النتيجة ستكون مسخاً أو ربما أسوأ من المسخ، وحتى هؤلاء الداعون إلى ما يسمى بالتطعيم الحضاري يتناسون حقيقة علمية معروفة؛ وهي أن التطعيم في علم النبات ـ مثلاً ـ لا ينجح إلا بين النباتات المتقاربة عائلياً، وبديهي أن التطعيم والتلقيح بين الحضارة الإسلامية ـ القائمة على التوحيد والعدل والحرية ورجاء الآخرة ـ والحضارة الغربية ـ القائمة على الوثنية والمنفعة غير الخلقية والقهر والنهب ـ أمر غير ممكن عملياً وموضوعياً.

إن الذين حاولوا بناء نهضة على أسس منهجية غربية لم يدركوا حقيقة موضوعية هامة؛ وهي أنهم لا يطبقون هذا المنهج في الفراغ، بل إن شعوباً عاشت تجربة حية من الإسلام لفترة طويلة جداً. إننا أمام حضارة إسلامية عريقة متميزة وثرية، حضارة تمتلك أصلاً نظرياً إلهياً، وتمتلك ثروة من التطبيقات الاجتماعية الهائلة، من خلال ما حدث طوال التاريخ الإسلامي من علاقات وحالات سياسية واقتصادية واجتماعية ارتبطت بالنص الإسلامي أو حادت عنه. وواجهت هذه الحضارة مشكلات في كافة الميادين، وترتب على تلك المشكلات فقه وثقافة وإجابات نظرية وتطبيقية في مختلف الفروع والمجالات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، فضلاً عن ميادين العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية.

وهكذا، فإن القفز على هذا الواقع بكل أوجه الصحة والخطأ، والإنجاز، والقصور فيه سبَّب فجوة هائلة في الوعي والسلوك على حدٍّ سواء، وأهدر كل الأساسات فوق التربة أو تحتها، بحيث كان علينا أن نسير منذ البداية وفقاً للمنهج الأوروبي، ناهيك عن أننا نسير في الطريق الخطأ، وهو الأمر الذي يستلزم مئات السنين زمنياً، هذا إذا أمكن إخلاء الواقع من الوجدان والتراث الإسلامي، وهو مستحيل قطعاً.

إن علم الاجتماع قد أكد على حقيقة بديهية لم يراعها دعاة النهضة التغريبية، وهي أن المنهج العلمي في أساسه أنماط اجتماعية معينة ينبغي أن يتم بمنهج هذه الأنماط ذاتها، وليس بمنهج مغاير، وإلا فإن الأخطاء ستكون بالجملة، أي أنه لا يمكن استقرار عملية النهضة والتنمية في مجتمعاتنا بمنهج مستمد من نمط الحضارة الأوروبية مثلاً، وعليه فإن شرط النهضة هنا هو أن تقرأ الواقع قراءة صحيحة؛ وشرط الصحة هنا أن تكون القراءة من خلال منهج نابع من هذا النمط الحضاري الذي نحن بصدده، وليس من خارجه.

* غياب البعد الثقافي:

محاولات النهضة الحديثة في بلادنا تواكبت مع عملية التحرر الوطني من الاستعمار، ولا شك أن الصراع مع الاستعمار صراع سياسي واقتصادي وعسكري، فلا شك أن الغرب الاستعماري قد استعمل ضدنا أقسى الوسائل العسكرية وأبشعها لتحقيق عملية القهر والنهب، وكذلك لم يتورع عن استعمال كل الوسائل السياسية والاقتصادية في تحقيق أهدافه، ولذلك كان من الطبيعي أن تشنّ حركات التحرر الوطني الحرب ضد الاستعمار عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت