سامي بن عبد العزيز الماجد 22/2/1424
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقد استيقن الآن المرتابون في سقوط نظام بغداد اللاهثون خلف سراب الأحلام أن نظام بغداد ولّى لن يعود، وأن الحربَ قد وضعت أوزارها ـ أعني الحرب بين حزب البعث وجيش التحالف.
ولكن عليهم ألا تبهتهم هذه الحقيقة المفاجئة فتنسيهم حقائقَ أخرى أهمَّ منها بكثير.
أما الحقيقة الأولى:
أن المحنة اليوم بعد سقوط نظام بغداد هي أشدُّ منها قبل سقوطه، وأن الفتنة اليوم أكبرُ منها بالأمس خلافاً لما يبدو للنظرة القريبة ، لأن هذا الاحتلال السريع يُدني العدو من غاياته، ويُغريه أكثر بالإصرار على تحقيق مخططاته، وسيزيد ـ ولا شك ـ من طغيانه وتسلُّطِه، ويجعله يمعن أكثر في احتقار الشعوب الإسلامية واستذلالها، فتزدادُ هيبتُه في قلوبها، وتحني له هامتها، وتضعف مقاومتها، ويهزمها اليأس.
ومن هنا كان هذا الاحتلال الذي لم تطل مقاومته فتنةً للغالب المستكبر، وللمغلوب المستضعف.
إن المحنة اليوم على المسلمين أشدُّ؛ لأن الحرب وإن سكنت في العراق، فها هو العدو يُوقد لها ناراً في بلد إسلاميٍ آخر، تبدو الحرب عليه في صورة أخرى مغايرة.
وإذا كان الواقع كذلك، فإن من الأمر العجَبِ أن تخفُتَ أصواتُنا في الدعاء على التحالف الصليبي، وأن يفتُر تأميننا عليه، وكأن المسألة قد حُسمتْ وانتهتْ في أول مراحلها. وكأن النصر في أول مراحل المعركة يضمن الانتصار في أواخرها.
وأعظم الخطر؛ أن يُحدِق بك الخطرُ من كل جانب وأنت لا تشعُر به، أو تظُن أنه قد ذهب عنك، فترجع إلى حياة اللهو واللعب، مطمئناً بضمانة السلامة، متوهِّماً زوال المحنة.
فينبغي أن نعي أن الحرب في مراحلها المختلفة: لا يلزم أن تقع في صور متشابهة يحويها أسلوب واحد.
إن صورة الحرب على كل بلد تتشكل بما يناسبه، فهي على بعض البلاد حربٌ عسكرية، وعلى بلد آخر حرب اقتصادية، وعلى آخر حرب سياسية نفسية.
ولذا فليس بالضرورة أن تكون المرحلة القادمة لحرب التحالف الصليبي على الإسلام كما وقعت في العراق، فواقع العراق فرض الحربَ العسكريةَ لأجل الإطاحة بنظامٍ مرد على العصيان، ثم الاستيلاء على حقول النفط.
أما المرحلة التالية فليس التحالف ـ فيما يبدوـ بحاجة إلى كل هذا، فيكفيه أن يلوِّح بالتهديد بالقوة على باقي الدول، و يمارس ضغوطاً سياسيةً واقتصادية؛ لفرض الهيمنة والوصاية عليها، ومن ثَمَّ القضاء على كل نظامٍ أو فكرٍ يعزز المدَّ الحركي للإسلام، أو نشاطٍ يهدد أمن إسرائيل.
وخطرُ هذه المرحلة يأتي في إحداث التغيير في المجتمعات الإسلامية بوصاية العدو من غير أن يشعر الناس بذلك، وهو التغيير بعد التخدير، وأن يُسوَّغ التغيير بحِيَلٍ وبواعث تنطلي على الناس، وقد يستحسنونها، فيطاوعون على التغيير وهم يظنون أن ذلك لا يمس جوهر الإسلام ولا ثوابته.
ولذا تستدعي هذه المرحلة مزيداً من الحيطة والحذر، والعمل، والمقاومة المنضبطة بالحكمة، ومراعاة المصلحة.
الحقيقة الثانية:
إذا كانت الحرب تختلف صورها وتتنوع أساليبها، فإن المقاومةَ هي الأخرى تختلف صورها تبعاً لاختلاف أساليب الحرب وصورها. فلكل حربٍ ما يناسبها من صور المقاومة.
إن المقاومة لا تعني بالضرورة المواجهةَ العسكرية لجيش العدو؛ لأنك أحياناً قد لا ترى العدو أمامك، وقد لا يكون لك قِبَلٌ به ولا طاقة.
فمعنى المقاومة إذن تخرج من مجرد المواجهة إلى الأخذ بجميع الأسباب التي تمنع العدو أن يصل إلى أطماعه في بلاد المسلمين، أو يفرض عليهم وصايته.
إن المقاومة تعني في أول ما تعنيه: حياطةَ الدين ومبادئه وقيمِه من كيد الأعداء أن يبدلوا منه شيئاً، أو يحرِّفوه، أو يُقصوه، أو يُحجِّموه.
كما تعني حفظَ البلد وثرواته من الاستعمار والنهب والاستيلاء، وهي تفرض على الأمة مزيداً من التواصي والتعاون على سدِّ كل ثغرةٍ قد يتسلل من خلالها العدوُ إلى التدخل في شئون البلاد الداخلية؛ لتغيير نُظُمِها التي لا تخلو من النظم الشرعية.
ومزيداً من التواصي على تربية المجتمع على عقيدة الإسلام وقيمه، وعلى بنائه فكرياً واقتصادياً وأمنياً؛ ليصبح قادراً على التمنع والمقاومة. والمجتمع الذي اعتاد حياة الترف واللعب والكسل والخنوع لا يقوى على مقاومة إغراء الشهوات والملذات، فكيف بمقاومة عدوٍ يملك أقوى عتاد!
إن المقاومة قد تُجدي ـ أحياناً ـ بالمواجهة في ساحة المعركة، ولكن في حين آخر وفي منطقة أخرى قد تكون المقاومةُ بتحامي المواجهة والمصادمة إلى صور أخرى هي أجدى من المواجهة نفسها، تُفوِّت على العدو فرصة التدخل والوصاية.
وكل ذلك مشروطٌ بألا يكون فيه مساومةٌ على الدين، ولا تضحيةٌ بقيمه، ونُظُمِه، ومبادئه.
وكما أن للحرب سبعين حيلةٌ، فللمقاومة سبعون مثلها.