فهرس الكتاب

الصفحة 26919 من 27364

المهم أن نستشعر الخطرَ المحدِقَ بنا، وأن تجتمع كلمتنا وقوتنا، وأن نستنفرَ مجتمعاتِنا وجهودَنا لمقاومته، وأن نوظِّف هذه الكراهية التي نجدها من الناس على أمريكا في أعمالٍ إيجابية تعزز لمقاومة وتُنوِّع طرقها، وأن نُذكي نارَ هذه الكراهيةِ والبغضاء ضدها، كلما خبت زدناها سعيراً.

وفي سبيل مقاومة هذه الحملة الصليبية على بلاد المسلمين: فإن من مقتضيات المرحلة أن تختفي كل صور الاختلاف والعداوة وإن كانت حقاً لتبرز في الساحة عداوةُ التحالف الصليبي وحدها، فهو التحالف الذي يأتمِرُ بأمر اليهود، ولا يني في تحقيق رغبات إسرائيل عدو المسلمين جميعاً.

فليست أمريكا إلا عجلةٌ كبيرةٌ تديرها عجلةٌ صغيرةٌ تُسمى إسرائيل، فهي أكبر منتفع من هذه الحرب على بلاد المسلمين، وربما كان انتفاعها من هذه الحرب أكبر من انتفاع أمريكا نفسِها.

الحقيقة الثالثة:

لقد وضعت الحرب أوزارها...حربُ التحالفِ الصليبي على حزب البعث، ولكنَّ حربَهم على الإسلام لا تزال قائمةً يشُنّونها تحت شعار (مكافحة الإرهاب) ، فهي حرب طويلة لا تنتهي بإسقاط رمزٍ أو دولةٍ، فالإسلام الذي يخشونه ليس حزباً محدود الأعضاء، ولا نظاماً يحصره بلد، حتى يكون بقاؤه مرهوناً ببقاء رمز أو دولة.

إن الحرب على الإسلام ستطول؛ لأن وجوده متجذِّر في القلوب، ممتد في أقطار الأرض، له سحره الأخّاذ، وتأثيره العجيب، تنتمي إليه شعوب كثيرة مختلفة الأعراق واللغات.

ولكن أيُّ إسلامٍ هذا الذي يعلنون الحرب عليه؟ هذا السؤال هو أحد الأسئلة المهمة التي لا ينبغي أن يغيب جوابُها عن الأذهانِ في هذه الأيام.

إنه ـ ولا شك ـ الإسلام الحركي العملي الذي يحكم الحياة ويصرِّفها، ويهيمن على نظمها، ويحيل العقائد المستكنّة في القلوب واقعاً ملموساً في الحياة... الإسلام الذي يستحيي عقيدة الولاء والبراء في القلوب؛ لتنطلق منها وشيجة الأخوة الإيمانية بين أتباعه، وتقيمَ بينهم رابطةً أقوى وأسمى من الرابطة القومية والوطنية والعرقية والإقليمية.

إنه الإسلام الذي يُعلِّمُ أهله أن إعداد القوة فريضة، وأنّ مقاومة الاستعمار جهادٌ مقدس، وأن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين نفاقٌ مخرجٌ من الملة، وصورة من أكبر صور الخيانة للأمة.

هذا هو الإسلام الذي يحذره الغرب، وتحاربه أمريكا اليوم.

أما التدين الشخصي الذي لا يحدث في الواقع تغييراً، ولا يجاوز حدودَ الشعائر التعبُّدية؛ كالصلاة والصوم والحج، فهم لا يحاربونه إن لم يكونوا يؤيدونه، ويودّون لو لم يفهم المسلمون من الإسلام إلا هذا التدين الشخصي، ونحن لا نشك بأنه تدينٌ واجبٌ مهمٌ، لكن لا يجوز أن نختصرَ الإسلام فيه.

والذين يقصرون الإسلام على هذه الشعائر التعبدية هم وحدهم الذين يتوهمون أن أمريكا لا تحارب الإسلام. وليس بمستغرَب عليهم هذا التوهم ما دام أنهم لم يخرجوا في فهم الإسلام وتطبيقه عن صورته المختزلة في بعض الطقوس، وهو الإسلام الذي لا تعارضه أمريكا إن لم تكن تؤيده؛ لأنه لا يهدد مصالحها، ولا يقاوم استعمارها.

ومع أن محاربتهم للإسلام نراه واقعاً ملموساً فيجب علينا أن نوقن إيقانَنا به أن الله ناصر دينه ومتم نوره، وأن الله يقيض لدينه أنصاراً يحوطونه ويدافعون عنه إذا تخلينا عن حمل رسالته والدفاع عنه، (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) {التوبة:32} ، (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً) {الطارق:15،16}

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) {لأنفال: من الآية30} ، ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) {محمد: من الآية38} .

الحقيقة الرابعة:

لم يعد خافياً على أحد أن من أهم الأهداف التي تسعى أمريكا لتحقيقها في حربها هذه ـ والتي توالت فصولها في تسارع شديد ـ هو حماية إسرائيل من كل ما يهددها، وضمان مصالحها في المنطقة.

يدفعها لهذا معتقداتٌ دينية واضحةٌ، تُضفي على حربها مسحةَ الدين ولَبوس الصليب.

ولا ينافي كونها صليبية أن يوجد في الغرب من يعارض هذه الحرب، إما لدوافع إنسانية أو لمصالح خاصة، كما يوجد من المسلمين من يتخلف عن الجهاد أو يعارضه في توقيته أو طريقته، فلا يسلبه هذا أن يسمى جهاداً.

فليس من شرط الحروب الدينية أن يُحشَر أهل الملة كلُّهم فيها، فما قامت الحملات الصليبية إلا من بعض النصارى، ومع ذلك فالغرب والشرق لا يختلفون في تسميتها حرباً صليبية.

ولا ينفي كونها صليبية أن يكون لها دوافع اقتصادية وإغراءات دنيوية، فاجتماع الدوافع الدينية والدنيوية لا يعود على أحدهما بالإلغاء، وكم اجتمعت الدوافع المختلفة في أمثلةٍ كثيرة.

ويظن بعض الأحبة أن الخلاف في هذا خلاف لفظيٌ لا يُغيّر من الواقع شيئاً، ولو كان كذلك لما سارع بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية إلى نفي أن تكون الحرب على الإرهاب حرباً صليبية بعد أن تفوَّه بها رئيسهم في بداية حربهم على الإسلام باسم مكافحة الإرهاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت