أحمد فهمي
ماذا يحدث لو تفككت إيران إلى كيانات أو دويلات صغيرة يحكمها نظام واحد ضعيف من وراء ستار أو أنظمة متعددة ؟ .. لا أشك في أن هذا السؤال قد تشارك في الإجابة عليه والتخطيط له خبراء عديدون في الإدارة الأمريكية ، سواء في أروقة الخارجية أو المخابرات أو البيت الأبيض ، ورغم أن كل المؤشرات العدائية التي تبديها الولايات المتحدة تجاه إيران تبدو منصبة على تغيير النظام وإتاحة الفرصة لنظام ليبرالي علماني مكان نظام الملالي ، إلا أن الحقيقة بعيدة تماما عن هذا الهدف المرحلي ، فالولايات المتحدة تخطط في أطروحتها لنظام عالمي جديد لتفكيك الدول التي تشكل خطرا عليها أو على"إسرائيل"ولو بصورة غير مباشرة"*"
والخطر الذي يمثله نظام طهران على الأطروحة الأمريكية لا يتمثل في التوجه المعلن للعداء بين الدولتين ، بل هو يتركز في الأساس في كون إيران دولة ذات طموح أيديولوجي عقدي يمنعها عن الاستسلام الكامل للرغبات الأمريكية التي لا تتناسب حتى مع الأنظمة الحليفة لأمريكا في المنطقة ، فالإدارة الأمريكية تخطط لما هو أبعد من تحالف مؤقت بينها وبين بعض دول الشرق الأوسط الكبير ، إنها تريد أن تعيد رسم الحدود وتفكيك دول قائمة وتأسيس دول جديدة وفق أسس وقواعد تضعها هي ، وتسعى من خلالها إلى إذابة البروزات والمعوقات الدينية والعرقية والسياسية ، وإعادة توزيعها في أطر سياسية تضعف قدرتها على الانتفاضة أو الثورة ، والدافع الرئيس لهذا التوجه الأمريكي بخلاف الرغبة في السيطرة ، هو: إعادة صياغة المذاهب الفكرية والأيديولوجية والأهداف القومية والدينية بصورة مشفرة لا تستقبل إلا بث البيت الأبيض الأمريكي فقط ..
ولو نظرنا برؤية جغرافية إلى البقعة الكبيرة التي تضم أربع دول متجاورة: أفغانستان وإيران وباكستان والعراق ، فسنجد عددا من القواسم المشتركة بين هذه الدول:
1-الدول الأربع يتألف سكانها من عدة أعراق وطوائف مختلفة ومتباينة ومتصارعة ، قد تبلغ مستوى مأساويا كما في أفغانستان ، وقد تبدو متماسكة مؤقتا كما في إيران ..
2-تحظى كل من الدول الأربع بميزات استراتيجية أو اقتصادية أو جغرافية أو دينية أو عسكرية ، تجعل منها دولا ذات تأثير بالغ فيما حولها ..
3-يتركز في هذه الدول الثقل الشيعي الأكبر عالميا ..
4-النجاح في تفكيك هذه الدول - كما حدث في العراق وأفغانستان - ينتج عنه حقائق سياسية بالغة الخطورة أهمها: أنه لا يمكن بحال إعادة تأسيس الدولة المنهارة بعد تفككها عرقيا وطائفيا إلا إذا توفرت عدة عوامل لا تجتمع عادة إلا مرات نادرة في التاريخ ، والنتيجة الثانية أن الولايات المتحدة ستسيطر على بقعة جغرافية هائلة صالحة في معظم أجزاءها لممارسة النفوذ السياسي ونشر التواجد العسكري ، والنتيجة الثالثة أن الحصار وعدوى التفكيك سيكون من نصيب الدول العربية في المرحلة التالية ..
5-يبدو التدرج واضحا في تراتبية التفكيك الأمريكي لهذه الدول ، فأولا كانت أفغانستان هي الأضعف والأخطر لتواجد نظام إسلامي ممثل في طالبان التي فتحت أرجاء البلاد لتنظيم القاعدة ، ثم كانت العراق الدولة التالية لتوفر مسوغات كافية لبدء الغزو ، ومن ثم فإن إيران تبدو عدوا محتملا أكثر من غيرها ، ويقدم نظام الملالي صورة دعائية سيئة كافية لترويج العداء في الغرب ضد إيران ، وأخيرا تأتي باكستان الحليفة ، والتي لن يحين دورها إلا بعد انتهاء دورها أو دور مشرف في تقديم كافة سبل الدعم للحرب الأمريكية ضد"الإرهاب"..
وسوف تركز هذه الدراسة التي نعرضها في سلسلة من المقالات بمشيئة الله تعالى على الشأن الإيراني باعتباره في بؤرة الأحداث في الوقت الحالي ، ونظرة سريعة على التركيبة الإيرانية الداخلية تقدم لنا هذه المعلومات:
يتكون المجتمع الإيراني من عدة أعراق: الفرس بنسبة 51% ، الآذاريون 24% ، الجيلاكي والمازنداراني 8%، الأكراد 7%، والعرب 3%، والبلوش 2% ، والتركمان 2% ، أما اللغات فهي: الفارسية ، التركمانية ، الكردية ، اللورية ، البلوشية ، العربية ، أما طائفيا ، فالنسبة الرسمية: شيعة 89 % ، مسلمون سُنة 10% ، بينما تصل مصادر غير رسمية بنسبة السنة إلى نحو 20 % ..
ومشكلة الدولة متعددة الأعراق والطوائف أن هذا التعدد يضعف من الحس الجمعي بقيم ومصالح مشتركة ، وما لم يتوافر قمع سياسي أو عسكري فإنه لا يمكن توحيد البلد تحت حكم نظام واحد ، وعبر التاريخ كانت هناك صورتان فقط توحدت فيها الأعراق والطوائف ، الأولى عندما ينصهر الجميع في بوتقة الإسلام - السني - في ظل حكم إسلامي ، والثانية حدثت ويمكن حدوثها لكن لفترة مؤقتة وبنسبة نجاح ناقصة ومشوهة ، وذلك عندما تعيش الأعراق والطوائف في ظل حكم ديمقراطي حقيقي ، لكن هذا النموذج في حال تطبيقه بمثالية يكون أثره كما قلنا ناقصا ومشوها ، فكيف عندما يطبق بصورة جزئية ناقصة أو مشوهة ؟ ..