ياسر الزعاترة 3/2/1426
ما بين التعاطي العربي مع الملف الفلسطيني واللبناني والعراقي خيط من التراجعات غير المبررة، والتي يمكن أن تنطوي على مخاطر حقيقيّة على مجمل الوضع العربي في مواجهة التحدّيات التي يطرحها برنامج الشرق الأوسط الجديد الذي بدأ في العراق وهاهو يطارد سوريا، فيما لن يتوقف طائعاً حتى يرتب وضع المنطقة على مقاس الدولة العبريّة التي يشكل رضاها مدخلاً لرضا المحافظين الجدد في الولايات المتحدة.
لسنا متشائمين تماماً، فنحن نعوّل على التماسك الشعبي في حال إخفاق الرسمي، لكننا نتحدث بلغة التحذير، في ذات الوقت الذي نشير فيه إلى بؤس الرؤى السياسية التي تقف خلف ما يجري، والتي لا تستند إلى منطق واقعي، فضلاً عن أن تستند إلى رؤية متماسكة تأخذ في الاعتبار مصالح الوطن والأمة عموماً.
ما يمكن قوله بكل بساطة هو أن النظام العربي الرسمي لم يعد معنياً سوى بمصالحه الذاتية، ولا نعني هنا مصالح الدولة والشعب، أو ما عُرف اصطلاحاً بالمصلحة القطريّة، بل نتحدث عن مصالح الفئات الحاكمة التي لم تعد ترى ما يجري إلا من خُرْم مصالحها الذاتية، والأسوأ أن ذلك يجري بروحية العجز، لا بروحية المواجهة مع التحدّيات المحيطة.
لقد أدرك المحافظون الجدد في الولايات المتحدة أن لعبة الإصلاح والمطالبة به هي الورقة التي يمكنهم من خلالها ابتزاز التنازلات التي يريدونها من الأنظمة العربية، سواء أكانت من ذلك اللون الذي أعاد إنتاج الدولة الشموليّة بمظاهر ديمقراطية (برلمان، أحزاب، انتخابات) ، أم من تلك التي لا تزال تقوم على نظام الوصاية التقليدي، وهذان بالطبع صنفان: صنف له مضامينه الديمقراطيّة المعقولة، وصنف لا يزال يحبو على هذا الصعيد، وحيث يسعى بدوره، وإن على مراحل، إلى تكرار تجارب الآخرين في صناعة ديمقراطية وتعدديّة لا تغيّر شيئاً في الواقع السياسي على الأرض، مستفيدة من تجارب الدول التي سبقتها في هذا المضمار.
والحال إننا إزاء أنظمة لا تريد تغييراً ديمقراطياً حقيقياً ينطوي على تداول سلمي على السلطة، في ذات الوقت الذي تدرك أن قبول ما تفعل أو رفضه إنما يحدّده سادة البيت الأبيض، الأمر الذي لا يتحدّد بناءً على مدى اقتراب التغيير من الديمقراطية الحقيقية، بل تبعاً لمدى استجابة الدولة المعنية-أو النظام المعنيّ بتعبير أدقّ- للمطالب الأمريكية بشأن الملفات التي تتصدر أجندتها في هذه المرحلة.
من المؤكد أننا لا نتهم أو نتحدث عن مجرّد نوايا، على اعتبار أن بعض النخب العربية المرتبطة بالغرب قد باتت تحدّثنا عن زمن آخر تبدو الولايات المتحدة فيه عازمة على فرض الديمقراطية بعيداً عن المقاربات السياسية القديمة التي كانت تتحدّث عن أنظمة فاسدة لكنها مطيعة كخيار مفضل لدى الأمريكان، والسبب بالطبع، بحسب ذات الرأي، هو مرحلة ما بعد الحادي عشر من أيلول التي أثبتت أن الإرهاب إنما ينبت في ظل أجواء كهذه.
دعونا من حكاية التوقّعات والنوايا، ولنقرأ معاً خطاب حال الاتحاد الذي ألقاه جورج بوش قبل أيام، ويمكن النظر إليه بوصفه البرنامج الحقيقي للمحافظين الجدد في ولايتهم الثانية، ولنركّز قليلاً على حكاية الديمقراطية. لقد أشاد الرئيس الأمريكي بدول عربية بالاسم بوصفها تتقدم نحو"إصلاحات مملوءة بالأمل"، ولا حاجة لذكر الأسماء هنا، لكن المراقب العادي يدرك أن تلك الدول لم تغير في واقع الحال سوى الديكور الخارجي، بل إن الحريات في بعضها قد تراجعت عما كانت عليه قبل الإصلاحات إياها، وكل ما هنالك أن سياساتها الخارجية قد بدت منسجمة إلى حد كبير مع المطالب الأمريكية المعروفة في الملفات الأكثر أهمية بالنسبة إليها في هذه المرحلة.
الأكيد أن الديمقراطية اللبنانية، ورغم كل الملاحظات عليها، كانت الأفضل عربياً، وهي بالتأكيد أفضل بكثير من كل الدول التي أشاد بها الرئيس الأمريكي، ومع ذلك فقد فُرِضت عليها وعلى سوريا العقوبات تحت دعاوى ديمقراطية أيضاً، كما هو الحال بالنسبة لقرار مجلس الأمن رقم 1559، وهاهي تخضع لمطاردة محمومة لا تتوقف.
لنسأل بعد ذلك عن السر وراء وضع الرئيس الأمريكي للسعودية ومصر في الجهة المقابلة للحالات التي أشير إليها سابقاً، رغم أن مصر مثلاً لا تختلف عنها في شيء يذكر، وإن بدا أن السعودية كذلك، وهي التي أخذت تتحرك بدورها نحو إصلاحات تدريجية بذات الروحية وبدأت بالانتخابات البلدية، ولا بد ستصل مع الوقت إلى الأوضاع القائمة في الدول الأخرى.