[الكاتب: أبو بصير الطرطوسي]
يعتبر بعض المفتونين بالديمقراطية والمروجين لها أن إنفاذ بعض القوانين التي توافق الإسلام من خلال العملية الديمقراطية التي تلزم بالتحاكم إلى إرادة الشعب، هو فتح من الفتوحات، ونصر ما بعده نصر، لا يمكن تحقيقه عن غير طريق الديمقراطية... ونراهم يتماجدون بهذا الإنجاز كلما أرادوا أن يتكلموا عن مبررات ومسوغات ولوجهم نفق الديمقراطية والعمل النيابي المظلم!
ولهؤلاء وغيرهم نقول:
إن الحكم بما أنزل الله نزولاً عند إرادة الشعب ورغبته لا يجوز أن يسمى أو يوصف بأنه حكم بما أنزل الله، وذلك من أوجه:
منها، أن هذه الأحكام إنما طُبقت نزولاً عند رغبة الأكثرية، ولأنها تمثل إرادة الشعب واختياره، وليس انصياعاً ونزولاً عند إرادة الله تعالى وحكمه تعبداً له سبحانه وتعالى، وطاعة وانقياداً لأمره لكونه صادر عنه سبحانه وتعالى، بدليل لو أن الشعب أو الأكثرية قالت في مرحلة من المراحل: لا لهذا الحكم والقوانين، نعم لغيرها من القوانين، لوجب - على الراضين والسائرين في العملية الديمقراطية - تغييره واستبداله بتلك القوانين أو الحكم... فهو في حقيقته حكم الهوى وليس حكم الشرع، وحكم المخلوق وليس حكم الخالق سبحانه وتعالى.
ولو تأملنا حال أكثر الدول الغربية الصليبية لوجدنا عدداً لا بأس به من أحكامها وقوانينها توافق أحكام الإسلام، أو بالأحرى لا تتعارض مع أحكام الإسلام، فهل لأجل ذلك نستطيع أن نقول أن هذه الدول الصليبية تحكم بما أنزل الله في هذه الأحكام أو القوانين؟!
الجواب: لا، لأنها هي إذ تنفذ هذه الأحكام والقوانين فهي تنفذها طاعة وانصياعاً لحكم الأكثرية، وما ترتئيه عقولهم وأهواؤهم، وليس طاعة وانقياداً لحكم الله وأمره...
ومنها، أن التحاكم إلى الشعب أو إلى الأكثرية من دون الله تعالى، هو ضرب من ضروب الشرك الأكبر، لتضمنه إشراك إرادة الأكثرية أو المخلوق مع الله الخالق سبحانه وتعالى في الحكم، كما قال تعالى: {ولا يُشرك في حكمه أحداً} [الكهف: 26] ، وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ، وحكم يوسم بالشرك أنَّى له أن يسمى حكماً إسلامياً يرتضيه الشارع سبحانه وتعالى.
ومن جهة فإن الله تعالى قد نفى الإيمان عمن يأبى التحاكم إلى شرعه، وعمن يتحاكم إلى شرعه لكن يجد في نفسه الحرج والضيق من جراء التحاكم إلى شرعه سبحانه وتعالى كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} [النساء: 65] .
قال ابن القيم رحمه الله: (أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الإنفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض) [50] .
ولا شك أن الذي يرتضي حكم الشعب أو الأكثرية من دون الله تعالى، ويدور مع حكم الأكثرية حيثما دارت، ويقف معها حيثما تقف، أولى بانتفاء الإيمان عنه والوقوع في الكفر، فضلاً عن أن يوصف دورانه وروغانه هذا أصاب حكم الله، أو أنه حكم بشرع الله تعالى.
ومنها، أن التحاكم في نظر الإسلام عبادة من المتحاكم إلى المتحاكَم إليه، فمن تحاكم في جميع شؤون حياته الدينية والدنيوية إلى الله سبحانه وتعالى فهو عبد لله تعالى، ومن تحاكم إلى غيره - في قليل أو كثير - وارتضاه حاكماً من دون الله أو مع الله، فهو عبد لهذا الغير وإن تسمى بأسماء المسلمين، وزعم أنه من المؤمنين.
كما قال تعالى: {ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً} [النساء: 60] .
قال الشوكاني في التفسير1/482: (فيه تعجيب لرسول ا صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل الله على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على مَن قبله من الأنبياء فجاؤوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلاً، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وقد أُمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به) اهـ.
قلت: ولا ينتفي الإيمان إلا لنوع عبادة تصرف للمخلوق، وعبادة المخلوق هنا تكمن في إرادة التحاكم إلى الطاغوت؛ وكل ما سوى شرع الله وحكمه فهو طاغوت.
ومما يؤكد على دخول التحاكم في معنى العبادة، قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] .