فهرس الكتاب

الصفحة 3183 من 27364

مازن هاشم

اجتمع أربعة رهط يتناقشون في مسألة العولمة، وانقسم هذا المجلس تلقائياً إلى أربعة أقسام، ناظر في التاريخ وناظر في الفقه وناظر في السياسة الحركة وطالب علم يتصيد الحكمة، وقام كلّ يدلي بحجته ويتحفظ على رأي الفريق الآخر، وما يلي بيان رأيهم وملخص حججهم.

قال الأول:

العولمة والتنمية مسائل هامة، وما هي إلا تمظهر لمنطلقات فكرية وأسس مفهوماتية، وإنه لمن ضياع الوقت أن نناقش الفروع والأعراض، بل يجب علينا أن نغوص في الأعماق والخلفيات.

إن مفهوم التنمية هو امتداد للنظرة العلمانية منذ أن أطلّت بقرنها في القرن الثامن عشر الميلادي، إنها تلك النظرة الشرهة نحو الكون والوجود التي نحّت الإله والقيم جانباً وأرادت الانطلاق من غير قيد ولا شرط، تأكل بنهم وتتمتع كما يتمتع الأنعام. إنها تلك النظرة التي تريد أن تُسيطر وُتخضع وتستأثر؛ إنها قبل كل شيئ وجهة في تصور الوجود: الوجود جماد، الوجود ليس فيه روح ولم يخلق لهدف...إنه ذاك الوجود الدارويني الذي تمكن الإنسان فيه أن يرتقي إلى قمة الهرم الغذائي بحيث يسمح لمن تحته أن يأكل بعضه بعضاً ولكنه متمكّن في القمة يلتهم الجميع...

إنها النظرة التي ترى أن الإنسان قد أثبت نفسه في هذا الوجود، ومكنته الصدفة أو الذكاء أو كليهما أن يرتقي ويتطور في حين فشلت باقي السلالات الحيوانية. ولكن نجاح السلالة البشرية من بين الحيوانات الأخرى ليس نجاحاً مطلقاً إذ أن وجوده محكوم بمعضلتين: الأولى هي أن عند البشر شهوات لا تشبع، والثانية أن موارد الأرض محدودة. إن هذين المبدأين (النهم والندرة) هما اللذان يشخصان الأرضية التحتية لمفاهيم التنمية والعولمة.

لقد كان لهذا البشر النهم في عالم الندرة أن يفجر طاقاته باتجاه إشباع أكبر لشراهته في بقعته الأرضية محدودة الموارد والتي تمكن من السيطرة عليها... وبذلك كان عليه حتماً أن يوسع البقعة التي يسيطر عليها لأن بتوسيعها تزداد الموارد. ولا بد أيضاً من تصعيد مستوى الاستخراج من موارد الأرض لكي تنتج أكبر قدر ممكن من المتاع. ولكن تصعيد مستوى الاستخراج من الأرض يحتاج إلى سواعد عاملة وطاقات منفّذة.. ويلزم تحصيل هذا بأرخص الأسعار... وهكذا استهلت حركة الشره الثقافي-الاقتصادي القرون الماضية باستجلاب الرقيق ليكونوا وقود آلة الاستخراج هذه، وما يزال يتابع هذا الخط بالـ (الجات) الجديدة... وما يزال صراخ هذا التوجه يتعالى: أريد عمالة رخيصة... أريد نفطاً رخيصاً... أريد سوقاً مفتوحة بلا عوائق.

وتبلورت هذه النظرة في مفاهيم أصبحت عملة التداول الفكري: التنمية والتقدم والانفتاح؛ والركود والتخلف والانغلاق. ثم شفعت هذه المفاهيم بنزعة جبرية. التنمية ممكنة للأبد وخط التقدم صاعد إلى الأعلى باستمرار... والإنسان يحطم يومياً الحواجز التي أمامه... والسعادة الأبدية ليست إلا على مرمى النظر... لقد كتب إنسان القرن العشرين والواحد والعشرين نهاية التاريخ! وليس ثمة شيء ينتظر إلا مزيداً من التقدم الذي تتضاعف سرعة نموه.

ويتابع هذا التوجه متبختراً فيقول: لقد كانت بعض المفاهيم العقدية أساس هذا النصر الذي حققناه. لقد كان التخلص من سطوة الإله حلماً يدغدغ الإنسان منذ الأزل. ولقد تجرأ أحياناً على التمرد وأماته الرعب أحياناً أخرى. ولكن ها نحن حققنا الفوز النهائي بضربة قاضية. فشكراً للأجيال الجريئة الأولى التي مكنتنا من هذا الفوز. على أنه يجب أن لا يغلبنا الشعور بالأمن، فما زال هناك من الهمج من يتشكك في سجل إنجازاتنا الباهرة. إن عبء الإنسان المتقدم عبء كبير ارتضينا أن نحمله ونضطلع به. وإنه محتم علينا أن نستعمل ما أمكننا من الوسائل لتأديب الرجعيين المتخلفين الذين مازالوا يحلمون بعوالم مثالية ومبادئ متسامية. إن واجبنا الأخلاقي أن نزيل هذه الأعشاب الضارة من وجه الإنسانية، وأن نمكن لثقافة التقدم والرقي أن ترسخ. ولا يمكن تحقيق هذا إلا بعد أن نعولم عاداته وذوقه وطرق لباسه ومعاشه، فنحن نريد أن يعمّ ما وصلنا إليه الجميع.

قال الثاني:

لن أخفي عليكم أني لا أستسيغ شيئاً مما قاله فيلسوف الزمان، وفي الدين غنى عن التعقيد المتعب. بل إن مثل هذا الكلام ليلهينا عن مهمتنا الكبرى في إصلاح أنفسنا واستعادة أمجادنا. لقد صلحت نفوس أجدادنا فصلح حالهم. إن خطر العولمة يتحدد بالذات في أنه يهدد إيماننا ويحاربنا بالفضائيات والأفلام والموسيقى.

إن واجبنا الأكيد أن نحمي أنفسنا من هذا الأخطبوط.. أن نغلق المنافذ الشيطانية التي يدخل علينا منها، وأن نبني مجتمعنا من خلال التربية السديدة في حلقات العلم. إن علينا أن نحيي تراثنا ونفتخر به.. وهل يمكن لأمة أن تنهض إذا لم تغترف من تراثها الأصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت