فهرس الكتاب

الصفحة 8187 من 27364

ياسر الزعاترة 9/2/1425

من العبث القول: إن ما جرى في تونس، وتحديدًا ذلك الإعلان المفاجئ عن تأجيل القمة العربية"إلى أجل غير مسمى"ذو صلة بهزال الجامعة العربية والآليات والقوانين التي تحكمها.

ما جرى في واقع الحال هو نتاج مساومة لم تنجح بين تيارين داخل الأروقة العربية، يرى الأول أن على العرب أن يقبلوا بالإملاءات الأمريكية والمشاريع الخاصة بالشرق الأوسط الكبير، وبالطبع ما تنطوي عليه من أبعاد سياسية وغير سياسية؛ لأن معارضة الولايات المتحدة ليست ممكنة هذه الأيام إذا كانت مصلحة في الأصل، أما التيار الثاني فيرى أن مواجهة واشنطن غير ممكنه، لكن القبول بكل مشاريعها هو الانتحار بعينه؛ لأنها مشاريع ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب.

بالمقابل يبدو من الخطأ الاعتقاد بأن التيار الثاني ذو صلة بالثورية أو التمرد، حتى لو صح أن بعض العواصم قد دأبت على اتخاذ مواقف أكثر تقدمًا في سياق معارضة الإملاءات الأمريكية.

جاء اغتيال الشيخ أحمد ياسين ليشكل نقطة تحوّل على مرمى أيام من القمة؛ فقد وحّد دم الشيخ جماهير الأمة على نحو غير مسبوق، وجعل موقف الزعماء العرب محرجًا إلى حد كبير، خاصة المنضوين تحت لواء التيار الأول، ذلك أن فرصتهم في فرض توجهاتهم تبدو صعبة إن لم تكن مستحيلة. أما تبنيهم للخط الآخر فسيغضب واشنطن. وهنا كان الحل الأمثل للخلاص من ضغوط الجماهير وعدم إفساح المجال للتيار الرافض للاملاءات الأمريكية أو لنقل المتحفظ عليها كي يفرض رأيه. وقد تمثل الحل المذكور بإعلان تونس، صاحبة الأرض تأجيل القمة على نحو منفرد، وكما لم يحدث من قبل في تاريخ الجامعة.

في هذا السياق يمكن القول: إن البيان التونسي الرسمي والتعليقات المرافقة قد جاءت لتفضح اللعبة أكثر من قدرتها على توفير مبرر مقنع للتأجيل. ذلك أن نفي الضغوط الأمريكية لم يكن سوى تطبيقًا للمثل المعروف"يكاد المريب يقول خذوني". أما تفاصيل البيان؛ فقد أوضحت أن دولة الاجتماع كانت تريد من القمة إقرارًا غير مباشر بقبول"مشروع الشرق الأوسط الكبير"الذي فرضته الولايات المتحدة؛ بل إن فقرات من المشروع قد استخدمت في البيان التونسي.

تونس تريد -حسب البيان-"التنصيص على تمسك العرب بقيم التسامح والتفاهم، وبمبدأ الحوار بين الحضارات، وتأكيد رفضهم المطلق للتطرف والتعصب والعنف والإرهاب، وحرصهم على التصدي لهذه الظواهر في إطار التعاون والتضامن الدوليين للقضاء على أسبابها". أما الأسوأ فهو إشارة البيان إلى"تجربة تونس في التغيير والإصلاح"، التي أكدت"مدى نجاعة الالتزام بتلك المبادئ".

ما أرادته تونس ومعها عدد من الدول العربية الأخرى إذًا هو قبول"مشروع الشرق الأوسط الكبير"، ورفض التفريق بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال كما دأب الخطاب الرسمي للقمم العربية. وهنا يمكن القول: إن ذلك لم يكن ليجد قبولاً من طرف المحاور العربية الرئيسة على تفاوت مواقفها، وتفاوت قوة رفضها، لا سيما مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا التي كان رفضها لمشروع واشنطن واضحًا، كما أن تحفظها على وصف المقاومة بالإرهاب معروف أيضًا.

ما يمكن أن يتذكره المعنيون -وقد تذكروه في سياق البيان التونسي- هو أن تونس لا تعيش جنة الديمقراطية وحقوق الإنسان كما يحاول بيانها أن يقول؛ بل إن أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان فيها إنما تقع ضمن اللائحة الأسوأ عربيًّا، بدليل سجونها التي تعج بالمعارضين السياسين وصحافتها المقموعة. أما الذي لا يقل أهمية فهو أن أحدًا من الدول العربية لا يبدو متحمسًا لنهج"تجفيف ينابيع التدين"الذي تطبقه الدولة في تونس، والذي وصل حد منع الحجاب في أماكن العمل الرسمي ومحاربة مظاهر التدين على صعد مختلفة.

مشروع"الشرق الأوسط الكبير"لم يكن الخلاف الوحيد، ولا المقاومة والإرهاب؛ فهناك مبادرة السلام العربية والموقف من العراق، إلى غير ذلك من الملفات، لكن القرار التونسي قد استبطن ذلك كله على أسس تخالف ما تريده الجماهير العربية التي تأمل في مواقف قوية من الاحتلال الإسرائيلي ومن الاحتلال الأمريكي للعراق، في ذات الوقت الذي ترفض فيه الاملاءات الأمريكية، حتى لو كانت تحت عنوان الإصلاح الذي يريده الشارع العربي، ولكن على نسق مختلف عن الإصلاح التونسي الذي يعني التغريب وشطب الهوية من دون ديمقراطية حقيقية تتيح للإنسان حق المشاركة في صناعة مجتمعه.

عند تقييم القرار التونسي لا بد من الإشارة إلى ردة الفعل الإسرائيلية المرحبة بقرار التأجيل على اعتبار أن عداء إسرائيل لم يعد كافيًا لتوحيد العرب كما ورد على لسان مسؤول إسرائيلي.

ماذا عن قصة إصلاح الجامعة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت