سؤال:
ما رأيكم فيمن يدعو إلى إعادة الخلافة \"الفاطمية \"، و \"دولة العبيديين \"، ويقول: إن الدولة المسماة بالدولة الفاطمية هي دولة الإسلام التي يكمن فيها الحل المناسب في الحاضر كما كان حلاًّ في الماضي ؟
الجواب:
الحمد لله
قد أخطأ هذا القائل خطأ بالغاً حين نسب الدولة العبيدية للإسلام .
والدولة العبيدية - وأطلقوا عليها الدولة الفاطمية لأجل التغرير والتلبيس - أُسست في تونس سنة 297 هـ ، وانتقلت إلى مصر سنة 362 هـ ، واستقر بها المقام فيها ، وامتد سلطانها إلى أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي ، مثل: الشام ، والجزيرة العربية .
وقد بدأ حكمهم بالمعز لدين الله !! معاذ بن المنصور العبيدي ، وانتهى بالعاضد عبد الله بن يوسف عام 567 هـ .
وقد تكلَّم أئمة السنَّة من العلماء والمؤرخين عن نسب هذه الدولة فيبنوا زيف ادعائهم أنهم ينتسبون لفاطمة رضي الله عنها ، وبينوا ما فعلته من نشر الكفر والزندقة ، وإيذاء أهل السنَّة ، وتمكين الكفار ، بل والتعاون معهم ضد المسلمين ، ومن هؤلاء الأئمة والمؤرخين: أبو شامة ، وابن تغري بردي ، وابن تيمية ، وابن كثير ، والذهبي ، وغيرهم كثير .
قال الإمام الذهبي عن"عبيد الله المهدي"وهو أول حكام تلك الدولة:
"وفي نسب المهدي أقوالٌ: حاصِلُها: أنَّه ليس بهاشميٍّ ، ولا فاطميٍّ"انتهى .
"سير أعلام النبلاء" ( 15 / 151 ) .
وقال:
"وأهل العلم بالأنساب والمحقّقين يُنكِرون دعواه في النَّسبِ"انتهى .
"تاريخ الإسلام"حوادث سنة 321 - 330 ، ص 23 .
ونقل عن أبي شامة - الذي كتب عن هذه الدولة كتاباً سمّاه"كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد"- قوله:
"يدَّعون الشرف ، ونسبتهُم إلى مجوسي ، أو يهودي ، حتى اشتهر لهم ذلك ، وقيل:"الدولة العلوية"و"الدولة الفاطمية"، وإنما هي"الدولة اليهودية"أو"المجوسية"الملحدة ، الباطنية"انتهى .
انظر"سير أعلام النبلاء" ( 15 / 213 ) ، و"الروضتين في أخبار الدولتين" ( 1 / 216 ) .
ومن أفعال حكام تلك الدولة واعتقادهم: ادعاء علم الغيب ، وادعاء النبوة والألوهية ، وطلب السجود من رعاياهم وأتباعهم ، وسب الصحابة ، وهذا توثيق بعض ما سبق وزيادة:
1.ادعاء الألوهية والربوبية:
نقل الذهبي رحمه الله أن الفقهاء والعبَّاد نصروا الخوارج في حربهم على الدولة العبيدية لما عندهم من كفر وزندقة ، فعندما أراد أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجي حرب بني عبيد قال الذهبي رحمه الله:
تسارع الفقهاء والعبَّاد في أهبَّة كاملة بالطبول والبنود ، وخَطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد ، وحرَّضهم ، وقال: جاهدوا مَن كفر بالله ، وزعم أنه رب من دون الله ، ... وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية جاحدٌ لنعمتك ، كافر بربوبيتك ، طاعن على رسلك ، مكذب بمحمد نبيك ، سافك للدماء ، فالعنه لعناً وبيلاً ، وأخزه خزياً طويلاً ، واغضب عليه بكرةً وأصيلاً ، ثم نزل فصلى بهم الجمعة .
"سير أعلام النبلاء" ( 15 / 155 ) .
وممن كان يدعي الربوبية والإلهية الحاكم العبيدي حيث قال عنه الذهبي:"الإسماعيلي ، الزنديق ، المدعي الربوبية".
"السير" ( 15 / 173 ) .
وقال عنه أيضاً:
يقال: إنه أراد أن يدّعي الإلهية ، وشرع في ذلك ! فكلّمه أعيان دولته ، وخوَّفوه بخروج النّاس كلهم عليه ، فانتهى .
"السير" ( 15 / 176 ) .
وممن حرض الحاكم على هذا الادعاء:"حمزة بن علي الزوزني"وهو من دعاة تأليه الحاكم ، ومؤسس المذهب الدرزي ببلاد الشام .
قال الذهبي - رحمه الله - عنه:
وقد قُتل الدرزي الزنديق ؛ لادعائه ربوبية الحاكم ، وكان قوم من جهلة الغوغاء إذا رأوا"الحاكم"يقولون: يا واحد يا أحد ، يا محيي يا مميت .
"السير" ( 15 / 180 ، 181 ) .
وقال الذهبي - رحمه الله -:
قرأت في تاريخ صُنِّف على السنين ، في مجلد ، صنَّفه بعض الفُضَلاء ، سنة بضع وثلاثين وستمائة ، قدَّمه لصاحب مصر الملك الصالح: في سنة سبع وستين قال:
وكانت الفِعْلة ( أي: القضاء على الدولة العبيدية ) مِن أشرف أفعاله ( أي: صلاح الدين الأيوبي ) ، فَلَنِعْمَ ما فعل ؛ فإنّ هؤلاء كانوا باطنية زنادقة ، دعوا إلى مذهب التناسخ ، واعتقاد حلول الجزء الإلهي في أشباحهم .
وقال الذهبي: إن الحاكم قال لداعيه: كم في جريدتك ؟ قال: ستة عشر ألفاً يعتقدون أنّك الإله .
قال شاعرهم:
فاحكم فأنت الواحد القهار *** ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار !
فلعن الله المادح والممدوح ، فليس هذا في القبح إلا كقول فرعون"أنا ربكم الأعلى".
وقال بعض شُعرائهم في المهديّ برَقّادة:
حل بها آدمُ ونوحُ *** فما سوى الله فهو ريحُ
حلّ برقادة المسيحُ *** حلَّ بها الله في عُلاهُ
قال:
وهذا أعظم كُفراً من النّصارى ؛ لأن النّصارى يزعمون أن الجزء الإلهيّ حلّ بناسوت عيسى فقط ، وهؤلاء يعتقدون حُلُوله في جسد آدم ، ونوح ، والأنبياء ، وجميع الأئمة .