العراق .. ودورة الاستعمار
في ظل العدوان الأمريكي البريطاني على العراق ارتفعت أصوات عالية تتحدث عن العروبة والقومية العربية، وأنها سبيل النصر للعراق في ظل محنته الحالية. وتعامت تلك الأصوات العالية عن الحقيقة الناصعة والسبيل الوحيد للنصر ألا وهو التمسك بالإسلام؛ ولعل هذا يدفعنا إلى توضيح حقيقة القومية العربية.
البداية:
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت أول بوادر ما سمي بالقومية العربية، وقيل إن الذي انزلق إلى لفت الانتباه إلى العصبية العربية هو الشريف حسين، ولكن الحقيقة أن الرجل لم يَعِ خطورة هذا الانزالق بخلاف ابنه فيصل الذي وجد الإنجليز ضالتهم فيه في إرساء هذا التيار؛ لذلك توجه لورانس إليه بدلاً من أبيه في بحثه عن ذلك الزعيم؛ فهو يقول: (وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج وأتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الاعتقاد الوطني الاعتقاد الديني؟ وبمعنى أوضح: هل تحل المثل العليا السياسية مكان الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا مثلها الأعلى الديني بمثلها الأعلى الوطني؟ هذا ما كان يجول بخاطري طوال الطريق) ، وقد كوفئ فيصل وعينه الإنجليز حاكماً للعراق؛ لذلك كان لورانس الضابط الإنجليزي هو مؤسس القومية العربية التي ما لبث أن حمل لواءها نصارى الشام، وأسسوا كثيراً من الجمعيات الأدبية والعلمية في دمشق وبيروت والقاهرة.
وهذا يدفعنا إلى التأكيد على أن ظهور القومية العربية لم يكن كما قيل نتيجة ظهور القومية الطورانية في تركيا، ولكن هذا يؤكد أنه مخطط استعماري لتضيع الهوية الإسلامية قبل القضاء على الخلافة الإسلامية نهائياً؛ ففي نفس الوقت ظهرت أيضاً القومية الكردية.
وانطلت الحيلة والمخطط على كثير من أبناء المسلمين المغفلين خاصة الذين تأثروا بالفكر الغربي الذين آمنوا بالعلمانية وإقامة الرابط القومي بدلاً من رابط الدين الإسلامي.
كما أراد الغرب أن تكون القومية رابطاً لتكوين أمة بديلاً للدين، وبرزت أفكار عديدة من أهمها:
1)وحدة الأصل والعرق.
2)وحدة اللغة.
3)وحدة التاريخ.
4)وحدة الثقافة.
5)المصالح المشتركة.
ولكنهم لما أرادوا تصدير وإرساء فكرة القومية في البلاد العربية الإسلامية جعلوا القومية العربية ترتكز على عنصرين اثنين فقط لا غير:
1)وحدة اللغة: فبغض النظر عن التدقيق في عناصر القومية الأخرى؛ فكل من يتكلم العربية فهو عربي، ولو لم تكن أصوله عربية ومن كانت لغة آبائه العربية فهو عربي.
2)وحدة التاريخ: يقول ساطع الحصري أحد أهم وأبرز مؤسسي ومفكري القومية العربية: (إن وحدة التاريخ هي التي تلعب أهم الأدوار في تكوين القرابة المعنوية) .
ويلاحظ أنه لدى تطبيق القوميين العرب عنصر وحدة التاريخ على واقع الشعوب العربية نجدهم يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين؛ لأنه لا يمثل وحدة تاريخ بين كل العرب مسلميهم، وغير مسلميهم، بل قد يحقدون عليه وهم لا يعترفون بأنه تاريخ لهم؛ إنما هو تاريخ خصومهم، بل أعدائهم؛ فكيف يكون عنصراً يربطهم بالأمة العربية؛ فهؤلاء لهم تاريخ خاص بهم غير تاريخ العرب المسلمين ولو عاشوا بينهم أقلية.
والعجيب أنهم حين يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين يسقطون على تاريخ عصور الجاهلية العربية البائدة والعاربة والمستعربة، ويبرزونه أدبياً وثقافياً على أنه تاريخ العرب. أما بعد الإسلام فلا يظهرون إلا ما كان فيه نقائض في التاريخ الإسلامي أو لا تأثير واضح للإسلام فيه، أو مراحل الضعف، أو ما يتعلق بتاريخ غير المسلمين وتزيينه؛ لذلك نجدهم في عنصر وحدة التاريخ ينحُّون كل ما هو إسلامي مجيد ويسلطون الأضواء على غيره.
ولا يهمل مفكرو ومفلسفو القومية العربية العناصر التالية:
أ) وحدة المشاعر والمنازع.
ب) وحدة الآلام والآمال.
ج) وحدة الثقافة.
ولكنهم يجعلونها نتائج طبيعية لوحدة اللغة ووحدة التاريخ.
وفي ذلك يقول ساطع الحصري إمام القومية العربية: (إن أسس الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو وحدة اللغة ووحدة التاريخ؛ لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر، وحدة الآلام والآمال ووحدة الثقافة؛ وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أمة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى. ولكن لا وحدة الدين ولا وحدة الدولة ولا وحدة الحياة الاقتصادية تدخل بين مقومات الأمة الأساسية.. كما أن الاشتراك في الرقعة الجغرافية أيضاً لا يمكن أن يعتبر من مقومات الأمة الأساسية، وإذا أردنا أن نعين عمل كل من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة قلنا: اللغة: تكوِّن روح الأمة وحياتها، والتاريخ: يكوِّن ذاكرة الأمة وشعورها) .
واستناداً إلى ما سبق فالقومية العربية تجمع كل من يتكلم العربية وينتسب إلى البلاد العربية مهما كان دينه أو بلده أو مذهبه أو أصله، والعروبة تشمل المصري، والعراقي، والمغربي المسلم، والمسيحي، والسني، والشيعي، والدرزي، والنصيري، والكاثوليكي، والأرثوذكسي، والبروتستانتي فهم أبناء العروبة.