محمد الأحمري
كانت ليلة عاصفة من النقاش مع غير المسلمين. كان النقاش في الكنيسة عن الإسلام وموقفه من قضايا عدة , وقد دعت لهذا اللقاء إحدى كنائس"البروتستانت"في أمريكا. كلفت باللقاء , وتهيبت ما أمامي منه أيما تهيب , وسيحضر اللقاء معي مسلم واحد -حديث العهد بالإسلام - وهذا امتحان لدينه أمامه وأمامهم , وأمامنا لقاء مفتوح مع شخصيات كنسية رغبت في التعرف والنقاش , وهم كثرة ونحن قلة , ومعهم قسيسة متخصصة في الإسلام والعالم الإسلامي , رأيت - قبل قدومي - بعض ما درسته , وعرفت من لقاء سابق , أنها مهتمة جداً بالإسلام ودراسته من شتى الجوانب , عقيدة وسلوكاً وتاريخاً, وبدى ذلك واضحاً من ورقة البرنامج.
وما أن بدأت الحديث , حتى ثارت إحدى الجالسات في لهجة مندفعة وصوت عال وسلوك نزق , تشتم الطريقة التي أجبرها أهلها فيها على اعتناق المسيحية ودراستها ؛ فقد أجبروها على ما تكره , وألزموها ديناً , فيه الكثير من غير المعقول , فتورمت أنوف الشيوخ الكبار والعجائز المشاهدات , وضاقوا بها وبتعرضها وتشويهها للمسيحية أمام المسلمين , وفي موجة غضب , كانت تهجو المسيحية وتسأل المسلمين وتنتقد الموجودين .
ثم هدأ الموقف - بتهدئة ذوي الأحلام - ليأخذ السياق طابع الجد والنقاش المباشر , وقد هيأ الله لنا باباً في الحديث - هم فتحوه - وكان موضوع (المرأة) . ولا يأتي ذكر الإسلام عند الأمريكان خاصة , إلا مرتبطاً بالحديث عن أمر المرأة . وكيف أن الإسلام يمنعها من التعليم والحياة , وموقف الإسلام من المرأة يحدده سلوك"طالبان"في أفغانستان ؛ فهو تجهيل للمرأة وحرمان . كما أن السلوك الإسلامي للرجل , يحدده صدام و القذافي والخميني , فهو كراهية للأجناس الأخرى , وحقد وفشل وحصار .. وما شابه .
ومشكلة المرأة في المجتمع الغربي , عقدة حقيقة في الثقافة الأوروبية القديمة , ثم حملتها المسيحية معها عندما تنصرت الشعوب المتوحشة المتخلفة ؛ فقد كانت هذه الشعوب - قبل تنصرها - تشرب الخمر, وتتزوج زوجة واحدة يمتلكها الرجل مدى الحياة ويخونها , ويزني بمن صادف من زمان التوحش إلى زمان"كلنتون".. ثقافة يتوارثها الآباء عن الأجداد , في البيوت والمكاتب والمدارس والكتب .. وغيرها .
ذكرت لهم: أن عقدة المرأة لم تكن في المجتمع الإسلامي كما هي في ثقافتهم , وأننا اليوم قد استوردنا المشكلة مع مطاعم"مكدونالد والكوكاكولا", وأصبح همهم في هذه"الكنيسة"هو همّ الشارع"المسلم", فيكفي أن تطلقوا نكتة أو تحدث مشكلة ؛ فتصبح مشكلتنا ! يكفي أن تنشر عندكم صورة إمرأة"بلباس غريب"أو"موضة حديثة"فتكون - هذه - موضة المغلوبين على أمرهم , ولم تسمعوا ولم تروا ولم تكبر عندكم كما كبرت عندنا .
وقرأت"لشريعتي"في مقارنته بين أسلوب تقدم المرأة في البلاد المتخلفة والدول القوية"أن المرأة تقدم في"فرنسا"على أنها بطلة من أبطال المقاومة ضد"ألمانيا"وتحرير باريس من النازيين , وضمن الأساتذة والكتاب والمترجمين والمكتشفين والمخترعين والمناضلين السياسيين والقائمين بخدمة البشر .. وأمور وتخصصات من هذا القبيل , أي الجهاد والمشاركة الفعالة بأكثر ما يمكن , من المفاخر التي كانت - في الغالب -قاصرة على الرجال , أما المرأة العصرية - هنا في إيران- فإن الإحصائية الوحيدة التي تقدمها كدليل دقيق لمعدل التقدم والتطور والحرية لديها, وأكثر الأناشيد الحماسية التي ينشدنها إيقاعاً , ويعتبرنها من الانتصارات التي اكتسبنها في طريق الحرية والتقدم , إنه منذ سنة 1957 حتى 1976 - وفي فترة لا تزيد عن عشر سنوات تضاعفت - مؤسسات التجميل والزينة وبيع لوازم الزينة والرموش والأظافر الصناعية في (طهران) خمسمائة ضعف , مما أسعد أصحاب محلات من أمثال كريستين ديور"أ.هـ بتصرف , (العودة إلى الذات ص 80) . ثم يشير - في مكان آخر - إلى أن النساء الجاهلات أو الأقل تعليماً ومدنية وفي ريف إيران - أشد تعلقاً بالموضات الفرنسية وإنفاقاً عليها , من ساكنات طهران . وكانت إيران تستورد من مساحيق الزينة , أضعاف ما تستورده من المنتجات الثقافية .
ولما وهب الله المرأة من الحساسية الاجتماعية العالية, وسرعة التقليد , والتي تتمثل في تعلم الأشكال والأصوات , بل والبراعة في تعلم اللغات أكثر من الرجل , وهي أمور تساهم سلباً , كما تساهم إيجاباً. فعلى مجتمع الرجل المنهار- التابع لغير المسلمين - ألا يصب اللوم على المرأة وحدها , ولكن الحل أن يبرز الرجال منهم أساتذة ومن النساء يكن قدوات ؛ فينقلب الأمر, كما حدث في"مجتمع النبوة"الأول , وكما يمكن أن يحدث في أي مجتمع بشري . فالنخبة الواعية قادرة على قلب الموازين الثقافية .