ياسر بن علي الشهري 29/12/1426
أيقنت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بنهاية القرن الماضي أنها أصبحت القوة -البشرية- الأكبر في العالم، وأن الوقت قد حان لبسط الهيمنة الكلية على العالم قبل بروز القوى الصاعدة كالاتحاد الأوروبي والصين، مستمدة ذلك من بعض النظريات المرتجلة كنظرية"نهاية التاريخ"التي لا تحمل من"الحقائق الراسخة"إلا صور"قصور العقل"غير المهتدي.
وشهد العالم منذ بداية القرن الجديد عدداً من السقطات المريعة للحكومة الأمريكية، التي أطلقت العنان لقوتها"متعددة الوجوه"لتنسف العديد من الاتفاقات الدولية في عدد من المجالات (البيئية والاجتماعية والثقافية والعسكرية والسياسية) ، ولتبدأ في تشكيل المناطق الاستراتيجية في العالم حسب رؤيتها ومصالحها القومية.
(...إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) فقد أفرز-بأمر الله- ذلك التسلط والاستكبار؛ رأياً عالمياً معادياً ومتحدياً للحكومة الأمريكية. هذا الرأي العام العالمي الموحد ضد إدارة بوش، هو القوة العظمى -البشرية- الجديدة، كما يشير إلى ذلك كتاب"الهيمنة أم البقاء"لـ ( تشومسكي) بحسب رصده للصحافة واستطلاعات الرأي العام العالمية، التي أفادت أن التظاهرات الحاشدة التي عمت أرجاء العالم اعتراضاً على سياسات الحكومة الأمريكية في العامين 2002و2003 كانت بمثابة إعلان عولمة مشاعر العداء للولايات المتحدة الأمريكية، وميلاد قوة عظمى معادية لها ولحلفائها.
إن هذه القوة الجديدة خارجة عن السيطرة الأمريكية، ومتجاوزة حدود المحلية، وكل الوسائل والأساليب التي ابتكروها لترويض الوحش -رأي الشعب- منذ عهد الرئيس (ودرو ويلسون) وإلى نهاية القرن الماضي حينما وصلت سياسة"صناعة القبول"ذروتها وقمة نضوجها.
اليوم أصبح الوحش عالميا بقدرة الله -سبحانه وتعالى- يكتسب قوته من تنوع الأجناس والألوان البشرية والأيديولوجيات التي تقف خلفه حتى من داخل المجتمع الأمريكي نفسه، ويستمد جزءاً من قوته من توافقه مع الأصول الرئيسة للدستور الأمريكي، فيما يتعلق بحقوق الإنسان -النظرية- في الرؤية الليبرالية، والديمقراطية.
إن الرأي العام العالمي ليس كما صوره (وليبمان) للأمريكان:"ضجيج وعجيج القطيع المنذهل"، بل إن الأمر أكبر من ذلك؛ فقطيع اليوم أصبح مشاركاً وفاعلاً، وظيفته إسقاط الرموز الداعمة للإدارة الأمريكية، وأول إنجازات هذه القوة الجديدة أنها أنهت زمن خضوع الأنظمة السياسية الطوعي للولايات المتحدة الأمريكية، وصار الخضوع تحت وطأة القوة فقط، وهُدمت فكرة"أن هناك نظاماً عالمياً يُرغم الجميع على دخوله والاندماج فيه".
كما لفظت كثير من الشعوب وكلاء الثقافة الغربية الذين زجت بهم أجهزة المخابرات إلى مواقع الصدارة ومنابر الثقافات المحلية، أو شكلت -في أقل الأحوال- وعياً بهم وبخططهم. وتأكد للعالم أنه بالإمكان الاستغناء عن التجارة الدولية، والاستعاضة عنها بالتبادل الإقليمي، بعد أن جرب الناس مقاطعة المنتجات الأمريكية وضرب خطط"رسملة العالم"في مفصل رئيس.
انتهى زمن"صناعة القبول"وتقهقرت الولايات المتحدة الأمريكية عشرات السنين، وعادت للعمل على تحسين صورتها من خلال خطط وإستراتيجيات طويلة المدى لتطوير رؤية إيجابية حيال مشروعها العالمي"فرض الديمقراطية!"، وعزل المسلمين، وتعزيز القيم العامة المشتركة بين الثقافات المختلفة، وهي إستراتيجية تعتمد بالدرجة الأولى على هدم المعايير التي تُرفض في ضوئها سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، حتى وإن كانت بالنسبة للآخرين جزءاً من دين أو مقدس، كما هو حال المعايير التي تتبعها الشعوب المسلمة في محاكمة ومواجهة الطغيان الأمريكي.
إن الغائب الأبرز عن هذا التغير العالمي -في موازين القوى- هو الإعلام العربي الذي لا يزال راكعاً تحت وطأة القوة"القديمة"التي يبجّلها ويستر عوارها؛ ، فكثير مما يدور اليوم في بعض الصحف والفضائيات العربية يؤكد أنها تعمل كوحدة رد سريع لمراقبة المجتمعات العربية الكارهة لأمريكا للردّ بشكل قوي على خطابات الكراهية ضد الولايات المتحدة الأميركية. وهو ما يُعبر عنه في إستراتيجية تحسين الصورة الأمريكية بـ"نشر فرق رد سريع إقليمية"على غرار فرق الشرطة في المدن الأميركية التي يتم استدعاؤها لمعالجة الأزمات الخطيرة.
كان من المفترض أن يعمل الإعلام العربي على إيقاظ"الوحش العربي"خاصة القنوات الفضائية، كما قاد التلفاز"أولى ثورات التلفاز"1989م في الدول الشيوعية عندما كانت المظاهرات تًُشاهد في إحدى الدول فتخرج الجموع في ثورات عارمة ضد الأنظمة الشيوعية.
إن أكثر شعوب الأرض تضرراً من الولايات المتحدة الأمريكية هي الشعوب العربية والإسلامية، ولن يعدم الإعلام العربي -لو أراد- المضامين والأدلة والبراهين التي تكشف حالة المشهد العالمي من التردّد والتخبط التورط والتواطؤ، والتيه الذي يعيشه أصحاب"العقول الإستراتيجية"، ممن ينتدبون أنفسهم لقيادة العالم والسيطرة عليه، ويدّعون امتلاك الحلول لإنقاذ البشر وإصلاح الأمم!