فهرس الكتاب

الصفحة 10681 من 27364

يتحدث المتحدثون ويكتب الكاتبون ويحاضر المحاضرون عن أن الإسلام ليس تهديداً للغرب. وكم عقدت من ندوة ومؤتمر للحديث عن التهديد الإسلامي (المزعوم) للغرب. وقد تنبه قسيس في معهد هارتفورد اللاهوتي بولاية كنديكت بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1990م إلى هذه المسألة بعد انهيار معظم أنظمة الحكم الشمولي الشيوعي في أوروبا الشرقية فكتب مقالة قصيرة يتساءل فيها عمن سيكون الشبح المخيف الجديد (الفزّاعة) التي سوف يتخذها الغرب بعد سقوط الشيوعية. وأشار إلى أن بعض الكتّاب وبخاصة من ذوي الأصول اليهودية جعلوا الإسلام هو التهديد الجديد للغرب، ومن هؤلاء كريس كروتهامر Ch r is K r authamme صلى الله عليه وسلم ولم يكتفوا بجعله خطراً على الغرب وحده فهو خطر عالمي أو كوني (Global)

وقد كتبت في هذا الأمر في جريدة المسلمون بعنوان (لماذا يخوفون الغرب بالإسلام؟) (المسلمون، 4جمادى الآخرة 1410هـ، 21ديسمبر 1990م) وكتبت أيضا بصحيفة سعودي جازيت (بالإنجليزية) :"هل الإسلام تهديد للغرب؟"وكثرت المقالات بعد ذلك تتناول هذا الموضوع بصور شتى كما كثرت الندوات والمؤتمرات التي عقدت للبحث في هذه القضية. فمن المقالات ما كتبه فهمي هويدي حول"مخاوف الأمريكيين تجاه الظاهرة الإسلامية وما حدث من خطوات لإقصاء الإسلاميين عن السلطة حتى لو وصلوا إليها عن طريق انتخابات حرة نزيهة مهما كانت الوسائل. (المجلة 19/12/1993م) وما كتبه بعد ذلك عن الاتصالات بين فرنسا وألمانيا للتباحث في شأن الخطر الإسلامي (المجلة 27/3/1994م) ومقالته بعنوان:"12سبباً وراء مخاوف الغرب من الحالة الإسلامية" (المجلة 10/6/1994م) . وهناك مقالة بعنوان:"حقيقة ما يقال عن خطر"القنبلة الإسلامية"كتبها علي إبراهيم (الشرق الأوسط 17/6/1992م)

وقد تعجبت وقتها لماذا يهتم عالم لاهوتي نصراني بالدفاع عن الإسلام أو الكتابة متعجباً من اتخاذ الإسلام شبحاً لإخافة الغرب. وقد ظل هذا السؤال يتردد في نفسي منذ تلك الأيام، ولا أزعم أنني وجدت الإجابة الشافية له، ولكنني أريد أن أقدم سؤالاً مقابل سؤال:إذا لم يكن الإسلام تهديداً للغرب فهل الغرب تهديد للإسلام؟

هل الحديث عن التهديد (المزعوم) للإسلام ذريعة لمنع أو إيقاف الحديث عن تهديد الغرب للإسلام؟ إن الغرب أو الشمال النصراني -كما كان يسميه محمود شاكر رحمه الله- لا يزيد تعداده عن عشرين في المئة من سكان الكرة الأرضية ويستهلك حوالي ثمانين بالمائة من مواردها وثرواتها. هذا الغرب هو الذي ينتج أكبر كمية من السلاح في العالم، ولا تقع حرب في أي بقعة من الأرض حتى تتداعى دول الغرب تبيع السلاح لهذا الطرف أو ذاك وتقف تتفرج على الفريقين وقد تساعد فريقاً على الفريق الآخر إما لإطالة أمد الحرب واستمرار الحاجة للسلاح الغربي أو لأهداف أخرى. وقد سمع العالم وعرف ما سمي بإيران جيت وكونترا جيت وغيرها من الجتات أو الفضائح حتى إن إحدى القنوات الفضائية أعدت برنامجاً اسمه فضائح القرن العشرين. ومن صاحب هذه الفضائح -غالباً- إن لم يكن الغرب؟

وبالرغم من أن الدول الإسلامية تمتلك مخزوناً كبيراً من الثروات الطبيعية وطاقات بشرية هائلة لكن الدول الغربية استطاعت أن تحقق نجاحاً اقتصادياً في استثمار الثروات الطبيعية التي تستوردها بأسعار تتدخل هي في وضعها وتعيد تصديرها إلى العالم كله بأسعار تحددها بنفسها. وهاهي الدول الاسكندنافية التي لا تملك سوى كثافة سكانية محدودة تحقق دخلاً من أعلى المداخيل في العالم حتى إن اسبانيا تحقق دخلاً يساوي مداخيل البلاد العربية مجتمعة، وإن فنلندا التي لا يزيد تعدادها على الخمسة ملايين تحقق دخلاً يزيد عن دخل عدد من الدول العربية.

وتأتي خطورة الغرب في الجانب السياسي فهو لا يرى أن العالم عرف نظاماً سياسياً على مر العصور أفضل من النظام الديمقراطي (رغم النقاش الداخلي حول حقيقة الديمقراطية وتحقيقها للعدل) - صرح بذلك المستشرق برنارد لويس قبل أكثر من خمسين سنة وجاء فوكوياما ليكرر الزعم نفسه - ولذلك فهو يسعى لنشر هذا النظام حتى إن جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة قد أنشأت مؤسسة بعنوان (مؤسسة الديموقراطية والتغيير السياسي في الشرق الأوسط) ورئيسها هو البرفسور دانيال برمبيرج ويعمل فيها ستيفن هايديمان. وتعقد هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات ومراكز البحث العلمي الندوات والمؤتمرات لتنظر في كيفية تصدير الديموقراطية إلى العالم كله. وقد جندت الأمم المتحدة - التي تعمل بإمرة الغرب- أكثر من عشرين ألف جندي للإشراف على الانتخابات في كبموديا- ولم تستمر تلك الديموقراطية إلاّ وقتاً قصيراً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت