فهرس الكتاب

الصفحة 19676 من 27364

تحتاج إلى جهدٍ جماعي

محمد جلال القصاص

بقصدٍِ واضح بدأ خطاب التغريب من المؤسسة الدينية ( الأزهر آنذاك ) ، إذْ أن الخطاب الديني هو الخطاب المقبول لدى الشعب ، وتم ( تلميع ) مجموعة من علماء الأزهر ممن يتفق هواهم مع هوى الغرب ، وخُلعت عليهم الألقاب ، وأسندت إليهم المناصب ،ومكنوا من المنابر ، وكممت أفواه المخالفين ، وأبرزوا للأمة على أنهم علماء جهابذة ، حملة مشعل الحضارة والرقي ، فكان رفاعة الطهطاوي وكان جمال الدين الأسد أبادي (الإيراني ) ، وكان محمد عبده ... وكلها أسماء براقة ... وكلهم كانوا معاول هدم في كيان الأمة الإسلامية ... جسرا عبر عليه الغرب إلى ثوابتنا الإسلامية فكان ما كان . وبين يدي كثير من النصوص من قول محبيهم التي تثبت ما أصفهم به وتبين ضررهم على الأمة ، ولكن ليس هذا مقصودي .

تكلم هؤلاء ( الشيوخ ) بأشياء لم تسمعها الأمة من قبل .

رفاعة الطهطاوي في كتابيه ( المرشد الأمين للبنات والبنين ) و ( تخليص الإبريز في تلخيص باريز ) . امتدح المجتمع الغربي .. أسلوب حياته وثقافته ، وأثنى على الدستور الفرنسي ـ الشرطة ـ ويرى أنها ( عدلاً وإنصافا ًأدى إلى تعمير الممالك وراحة العباد وارتياح القلوب حتى أنه ما عاد يسمع عندهم من يشكو ظلماً أبدا ) وحاول أن يحصر الأمر فقط في اختلاف المسميات [ تخليص لإبريز: 542] .

و ( الشيخ ) رفاعة الطهطاوي كان المشرف على مدرسة الألسن التي يتحدث عنها المستشرق (جب ) فيقول: وكانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوروبي يشع منها هي المدارس المهنية التي أنشأها محمد علي والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوروبا ويُذكر أن منها مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العَلَمْ الفذ رفاعة الطهطاوي ) [ نقلاً عن العلمانية: 592 ]

ثم جمال الدين الأسد أبادي المشهور بالأفغاني والذي نفي إلى مصر لفكره الاعتزالي وأرائه الغريبة ،كان منبهراً هو الآخر بالغرب وقوانينهم فنادى بان الأمة هي مصدر الحكم ، ووحدة الأديان ، والسلام العالمي ،وأن الاشتراكية من الإسلام . ورحل إلى أمريكا مستنصرا . ومن أراد أن يستيقن أو يستزيد فليقرأ خاطرات جمال الدين الأفغاني اختيار عبد العزيز سيد الأهل ص: 14 والاتجاهات الفكرية والسياسية والإجتماعية علي الحوافظة:102، 181،182

ثم جاء محمد عبده .وتحت مسمى الإصلاح أباح التشبه بالخواجات في الفتوى الترنسفالية ، وأباح الربا في شكل صناديق التوفير ، ونادى بتحريم تعدد الزوجات ، وكان ظهيراً لقاسم أمين في كتابه"تحرير المرأة"، وصاحَبَ المندوب السامي البريطاني . وقد أفردت له مقال من قبل على صفحات المحايد .

والسؤال: ماذا فعل هؤلاء ؟

تكلموا بحاجات الغرب على أنها مطالب شرعية . نعم نقلوا الأمة هذه النقلة النوعية . ثم دارت عليهم عجلة التاريخ ومضوا إلى ربهم بما قدمت أيديهم ولا يظلم ربك أحدا ."ومن سَنَّ سُنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ..."

كانت هذه الفترة هي مرحلة تسليم الراية من الغرب لبعض أبناء الأمة .. وهذا ما كان فقد بدأت مطالب الغرب كلها تظهر على لسان بعض أبناء الأمة , وهم يستندون في دعواهم هذه إلى الشرع , ويرفعون شعارات براقة خداعة فـ"إصلاح", وتجديد"و"تقدم", و"رقي"و"حرية"... إلخ ."

ونزل الميدان فريق آخر هم ( الوطنيون ) ، فقد علم الاحتلال أنه يوما ما سيخرج من هذه البلاد , ولابد أن ستكون مقاومة ، فعمل على إنشاء مقاومة أخرى تحمل شعارات غير إسلامية ، فأسس الأحزاب , وبدأت المقاومة للمحتل تأخذ منحى آخر ليس فيه الجهاد , وبدأت شعارات الوطنية ـ"مصر للمصريين"مثلا ـ تخرج .

وهذا التيار أيضا كان معول هدم في الشريعة الإسلامية , ودرب من دروب التيه الذي دخلته الأمة .

فإن كان الأُول (المشايخ ) عموا على الأمة وجه الاحتلال الصليبي وزينوا لهم حاله , وقالوا للناس إن شريعة المحتل هي شريعة الله , أو تكاد ، فهؤلاء أكملوا المشوار , إذ أنهم تعاملوا مع المحتل من وجهة سياسية فقط , ومن منطلق وطني , بهذا أعملوا فَأْسَهم في جدار الولاء والبراء حتى كادوا يهدموه , فقد غاب عن الساحة الجهاد , وظهر " النضال"و"المقاومة"و"المظاهرات " وقاد الركب ثلة من الوطنيين لا المجاهدين , وانتظم وراءهم صف من أبناء الوطن باختلاف انتماءاتهم الدينية , والعجيب أن قادة المقاومة كانوا على علاقة طيبة بالمحتل ‍‍.وراجع إن شئت مذكرات سعد زغلول ، ولطفي السيد .

وبعد أن كثرت جعجعة العمائم والوطنيين , تشجع أصحاب القلوب ( الرقيقة ) أعني الأدباء , والشعراء , ونزلوا الميدان ، وابتدأ نصارى الشام النزال فأعملوا أقلامهم في فكر الأمة حتى حرَّفوه .ولم يكن هؤلاء أقل أثرا من المشايخ والسياسيين . وإن من البيان لسحرا . كما جاء في الحديث . فقد أخذ هؤلاء يطرحون طروحات تصطدم مباشرة بالعقيدة الإسلامية في أشعارهم وقصصهم وصحفهم .ويحضر في ذهني كثيرا إيليا أبو ماضي لعذوبة لفظه وخبث طويته ، ومن شعره أضرب مثلين أوضح بهما قولي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت