هذا الحوار الذي يرويه بين شجرة تين وجيرانها يعترض فيه على قضاء الله وقدره في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
وتينة غضة الأغصان باسقة .. قالت لأصحابها والصيف يحتضر
وفي قصيدة أخرى:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ...وسأبقى ماشيا شئت هذا أم أبيت ...
وأصدروا عدة مجلات يتكلمون فيها عن"حرية المرأة"و"قبول الآخر", و"الوحدة الوطنية", وقد وجدوا أذانا تسمع .
ثم كان حبل ممدودا ظل إلى اليوم . فهم من ينافحون عن ( حرية المرأة ) ، وهم ( البنياويون ) الذين قالوا بموت المؤلف وعدم قداسة النص ... وهم طه حسين ، ونجيب محفوظ ، وقاسم أمين ، وجابر عصفور ، ونصر أبو زيد ، وحيدر حيدر ... الخ .
وبعد حين انتشر الغناء وأقبل المخنثون ... أهل الرقص والزمر"الفن"ولم تسلم منهم شريعة الرحمن وفقط أشير إشارات .
كان في طرحهم هجوم مباشر على ثوابت الشريعة الإسلامية ، مثل تعدد الزوجات ، وترسيخ مفهوم الولاء على الوطن لا الدين . والسخرية من اللغة العربية ومن مدرسي اللغة العربية ، ومن رجال الدين ( ويحضر في ذهني شخص المأذون ) ، وتقديم النموذج الغربي للشباب على أنه هو النموذج المثالي . هذا بجانب نشر الرذيلة .واليوم ينقلبون على التراث الإسلامي يرّونه بطريقتهم .. ففي ( الناصر صلاح الدين ) كان تحرير الأقصى حربا وطنية ذراع الناصر صلاح الدين الأيمن فيها صليبي ، وسيف الدين قطز حليق يحب ويعشق ويقاتل حمية ، وبن حزم يحل الغناء ويستمع إليه ، هذا بجانب نبشهم عن أهل الجاهلية الأولى من الفراعنة ، ومن العرب ( الزير سالم ) .
ربما لم يكن هؤلاء ( الفنانون ) يدرون بم يفعلون ... ربما . ولكن هناك يد أخرى هي التي أوجدتهم وأفسحت لهم المجال وكبَّلت غيرهم ممن لو خَطَبَ في جماهيرهم ووعظهم لنفضٌّوا من حولهم ...
أريد أن أقف هنا لأقول:
حين تنظر مليا في الخلفيات ( الدوافع ) التي تقبع وراء الأحداث .ترى بوضوحٍ تام أن الكل يهدم في الإسلام وإن اختلفت معاول الهدم .فـ ( الأئمة ) يؤولون النصوص ، والكتَّاب يخاطبون العامة في رواياتهم وقصصهم ، ويفتحون دوامات فكرية للخاصة تستقطب جهدهم ، وأهل الفن يُثبِّتون الفكرة بوجوههم الحسنة وأجسادهم العارية ، وأهل السلطان يسوقون القطيع إلى هلاكه .. يزجرون من يتباطأ ، ويردون كل من يحاول أن يأخذ بزمام الأمة إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمتا . فهو عمل جماعي إذا . له من يسوسه ويقوم عليه وإن لم يتفق أحاده على تفاصيل ما يفعلون .
والصورة العكسية صحيحة ، وهي أن أمةً ما لا تستطيع النهوض بفئة قليلة وإن كانت هذه الفئة هي النخبة من أبنائها ، فلا بد أن تشترك الأمة بما يناسبها وأن تكون موجودة تُخاطَب بما يقتضيه المقام وتفهمه العقول ... أي يكون العمل على محاور شتى يقوم به فئات شتى .
وهذا الأمر يحتاج إلى مناقشة أوسع من ذلك وإنما فقط أردت أن أشير بما يناسب المقام .
وشيئا آخر أريد الوقوف عليه من هذا العرض وهو: تعدد طرق التغريب وانتشاره أدى إلى صعوبة اجتثاثه . فلن يزاح هذا الركام الهائل الموجود في المفاهيم والتصورات وفي السلوك بخطبة أو خطيب ، أو معلم هنا ومعلم هناك ، وإنما يحتاج إلى جهد جماعي .