فهرس الكتاب

الصفحة 4843 من 27364

مناقشة نموذج محمد عابد الجابري

أ. بلال التليدي

حاولنا في الحلقة الأولى من هذا البحث التحليلي، معرفة أهمية أن ينطلق التأسيس للعلمانية من داخل الحقل الأصولي والمعرفي، ونذكر هنا مثالاً عن محمد عابد الجابري، لنستعرض مجموعة من الأفكار حوله، منها:

حول مفهوم العقل:

يرى الجابري أن النهضة لا يمكن أن تتصور من دون نقد للعقل، النقد الذي يعني مراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته، وقبل أن نمضي في مقاربة مفهوم العقل، يجدر بنا أن نشير إلى ملاحظة نراها جد ضرورية. إن ربط مشروع النهضة بالعقل ونقد آليات اشتغاله ومفاهيمه وتصوراته يحيلنا على التجربة الغربية وتاريخ الثورات النقدية، ولعل الثورة (الكنطية) التي أشرنا إليها من قبل تأتي في هذا السياق. فالبحث عن عنصر التماثل بين السياقين الحضاريين الإسلامي والغربي حاضر بكل قوة في هذه المقدمة التي صدر بها الجابري مشروعه النقدي، ولعلنا نراها بوضوح أكبر في تفصيلنا لمفهوم العقل.

يستعين الجابري، بل ينطلق من التمييز المشهور الذي أقامه (لالاند) في معجمه الفلسفي بين العقل المكون بكسر الواو والعقل المكون بفتحها، أي بين العقل الفاعل والعقل السائد. والعقل العربي الذي يقصده الجابري هو العقل المكون أي جملة من القواعد والمبادئ التي تقدمها الثقافة العربية للمنتمين إليها كأساس لاكتساب المعرفة، أو التي تعرضها عليهم كنظام معرفي.

ويستعين مرة أخرى بمنهجية المقاربة بين مفهوم العقل في الثقافة اليونانية والأوربية وبين مفهومه في الثقافة العربية ليخلص في نهاية العرض والتحليل إلى ثابتين يحددان بنية العقل الإغريقي والأوربي:

-اعتبار العلاقة بين العقل والطبيعة علاقة مباشرة.

-الإيمان بقدرة العقل على تفسيرها والكشف عليها.

فالثابت الأول يؤسس وجهة نظر في الوجود، والثابت الثاني يؤسس وجهة نظر في المعرفة.

أما مفهوم العقل العربي في الثقافة العربية فهو يرتبط أساسا بالسلوك والأخلاق، فهو بهذا الاعتبار تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء، وهي لا تعني سوى ذلك الاتجاه الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها التفكير مرجعا له ومرتكزا.

والناظر إلى هذه الخلاصة يظهر له الميزة الموضوعية للعقل الإغريقي والأوربي الذي يبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية، ويحاول الكشف عما هو جوهري فيها، في حين تظهر الميزة الاختزالية المعيارية التي تختصر الشيء في قيمته. فالعقل الإغريقي والأوربي عقل موضوعي تحليلي تركيبي في حين إن العقل العربي عقل معياري أخلاقي قيمي اختزالي. والجابري حينما يقرر مثل هذه الخلاصة لا يعوزه أن يستأنس ببعض معاجم اللغة وببعض تحديدات العلماء القدامى، فقد التمس نصا للجاحظ وآخر للشهرستاني، وقد اعتذر عن إيراد نصوص أخرى حتى لا يسقط في تجميع وثائق عديدة فيسقط نفسه في النزعة المعيارية.

غير أن ما ذهب إليه الجابري لا يسلم من جهات متعددة نحب أن نفصلها في المآخذ التالية:

المأخذ الأول: يبدو أن هناك تسرعا يجانب إلى حد كبير قواعد المنهج العلمي خصوصا في إطلاق مثل هذه الأحكام التي تحتاج إلى دراسة علمية مدققة. ذلك أنه من التعسف أن نتحدث عن مفهوم العقل من داخل الثقافة الإسلامية دون أن نرصد دلالات هذا المفهوم من مصدر هذه الثقافة. فقواعد المنهج العلمي تلزم باستقراء مصطلح عقل بجميع مشتقاته وتصريفاته من داخل الثقافة العربية الإسلامية، تلك في ما أتصور أول خطوة ومنطلق للعلم والبحث المنهجي. ثم إننا لو سلكنا نفس المنهج الذي التزم به الجابري لما عدمنا وجود نصوص إغريقية أو أوربية عبر التاريخ الطويل يستعمل فيها العقل للدلالة على الجانب الأخلاقي القيمي، وذلك لا يكون بحال مسوغا للحكم عليه بالنزعة المعيارية.

المأخذ الثاني: إن الحديث عن الميزة الموضوعية للعقل الإغريقي والأوربي يستبطن منطلقا واختيارا حضاريا يفرض علينا نوعا من التمايز والاختلاف. فكون العلم في التصور الغربي لا يؤمن بمصدر آخر للعقل وقواعده غير الواقع، يجعلنا في وضع يسمح لنا بالقول: إن الجابري يكاد يربط بشكل كبير بين الموضوعية التي تعني النزوع نحو التحليل والتركيب، وبين العقل كأداة وحيدة لفهم الواقع وتحليله. ومعلوم أن التصور الإسلامي يجعل الوحي والكون الذي يعني الواقع الموضوعي كعنصرين متلازمين مشكلين للمعرفة. وإذا كان القصد من نقد العقل العربي هو تخليصه من نزعته المعيارية وذلك بتمحور العلاقات على محور واحد قطباه: العقل والطبيعة، فإن هذا الطرح يستبطن اتهاما للوحي باعتباره مساهما ومحددا لمعيارية العقل العربي. وهذا طبعا غير ظاهر في كتابات الجابري، إلا أن المتفحص لهذه الكتابات يجد مثل هذه الإشارات الدقيقة والخطيرة والتي تحتاج إلى تعقب وتوقف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت