مطاع الصفدي
ربما لم يسبق أن احتلت انتخابات رئاسية مركز اهتمام عالمي شامل وقلق مثلما هو الأمر راهناً بالنسبة لمعركة البيت الأبيض ومن سيحتله لأربعة أعوام أخرى بدءاً من نهاية العام الحالي، ليس العرب والمسلمون وحدهم من يأتون في الصف الأول من المهتمين والمتوجسين - وهو وضع طبيعي ما داموا يشكلون الهدف الأول من استراتيجية المشروع الإمبراطوري الذي ابتدعه رجال بوش - وألزموا به دولتهم وربما لعهود رئاسية آتية سواء أتاها قائدها من أحد توأمي الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي.
فالعالم كله يتابع تطورات الترشيح للخصم الديمقراطي الذي سيقارع بوش، ويكاد التعاطف يغدو شبه إجماعي لدى أكثرية القادة - وخاصة في الغرب الأوروبي - بعد الشرق العربي في التمني لرجل مثل جون كيري في الإمساك بناصية الصراع ضد بوش وعصبته من غلاة المؤدلجين للبربرية الجديدة، وقد يكون هذا المرشح على مستوى التمني الدولي الذي يكاد يصير علنياً، وأقرب ما يكون إلى موقف سياسي مشترك تعتصم وراءه العلاقات الدولية من دون أية اتفاقات بين أقطابها، حتى أقرب حلفاء بوش من مثل بريطانيا وحكومتها العمالية لم تعد على استعداد للاستمرار في دور التابع الساذج لسيد البيت الأبيض، خاصة بعد أن انتقل هذا من موقع المهاجم الشرس إلى قفص الاتهامات الموجهة إليه من كل حدب وصوب داخل بلاده عينها، فإذا لم تكن أمريكا قد أمسكت بزمام قيادة العالم بعد كلياً، إلا أن تحولاتها السياسية الداخلية أضحت شأناً داخلياً وأساسياً لمعظم القوى الكونية صغيرها وكبيرها، وهذا التطور لا يضاعف فقط من مسؤولية الناخب الأمريكي الذي سيساهم صوته في الإتيان برئيس للمعمورة وليس لبلده فحسب، وإنما سوف يطالبه كذلك أن يكون على مستوى هذه المسؤولية، وأن يعي قيمة القرارات المتعلقة بسياسة بلاده الخارجية، وأثرها الحاسم في توجيه المصير الإنساني الشامل، فلا يكتفي فقط بوعود المرشحين التي تمس شؤون الحياة الداخلية وحدها - كما جرت العادة في مختلف الانتخابات الرئاسية، وحتى النيابية السابقة -.
لعل الناخب الأمريكي وفي المقدمة يأتي مثقفو اليسار واليمين كذلك من غير كتبة التقارير الحكومية الضالة المضللة لصانع القرار لعل هؤلاء أو بعضهم على الأقل أصبح يدرك أن الأسباب الحقيقية لأهم أمراض الاقتصاد المحلي هي على صلة وثيقة بما تفتعله حكومات بلادهم من أزمات دولية خارجية، وناجمة عن التدخلات في شؤون الدول الأخرى، وافتعال الحروب التي تكلف الدولة أعباء هائلة لا نفع من ورائها إلا لحفنة من تجار السلاح، وبعض الشركات العابرة للقارات، فالتوسع الأمريكي هو لمصلحة هذه الشركات وحدها، بينما تتحمل خزينة الدولة تكاليفها الباهظة التي يدفعها الشعب من الضرائب المتزايدة عليه، والمفروضة باسم الوطنية الزائفة، هذا النوع من التحليلات لم تعد غريبة عن التداول الإعلامي، وليس البحث الأكاديمي وحده، وقد غذت تكاليف حرب العراق واحتلاله الشواهد اليومية المحسوسة علي هذه الحقائق الصارخة المباشرة، ولم يعد بالإمكان إخفاء المطامع النفطية خاصة، وما يسمى بنفقات الإعمار، والعروض ذات الأرقام الفلكية التي تحوز عليها الشركات العملاقة القريبة من رموز السلطة، هذا بالرغم من أن مثل هذه السجالات والفضائح لم يجر استثمارها بصورة واضحة بعد في خطابات المرشحين المعارضين لبوش، لكنها أصبحت متداولة بما يكفي لتنبيه الرأي العام المتابع الذي يزداد باستمرار القطاع المهتم منه بقضايا السياسة الخارجية، والدور التدميري الخطير الذي تلعبه إدارة بوش في إثارته والحض عليه.