والمفارقة العجيبة في هذا الشأن أن المجتمع الأمريكي حسب غالبية الدراسات واستطلاعات الرأي هو مجتمع متدين، وليس سراً أن الرئيس الأمريكي وإدارته هم من المتدينين المتشددين، وعليه فقد أعلن مؤخراً عن نيته إلغاء قانون زواج مثيلي الجنس المعمول به في أمريكا (زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة) فلماذا يضغط على مصر لوقف محاكمة مثيلي الجنس عندها بينما يسعى الرئيس الأمريكي إلى إخفاء هذه الظاهرة من مجتمعه (وهي خطوة محمودة) ، أم أن الديمقراطية و « الحريات » التي يراد إنزالها على رأس العالم العربي تختلف عن تلك التي تطبق في أمريكا؟، ولماذا تكون الإدارة الأمريكية إدارة متدينة بل الأكثر تديناً، وتشارك الأحزاب التي تخوض الانتخابات (كما في ألمانيا) تحت مسمى (المسيحيون الديمقراطيون) بكل صراحة بينما تمنع الأحزاب والحركات الإسلامية في الدول الأوروبية من هذا الحق؟
والذي نخلص إليه أن مشروع « الشرق الأوسط الكبير » الذي يحمل لافتة الديمقراطية والحريات والإصلاحات ليس إلا مشروعاً استعمارياً بل قل استخرابياً بثوب إصلاحي، مع تأكيدنا أن هناك حاجة ماسة بل وماسة جداً إلى أحداث إصلاحات جذرية في الأنظمة العربية تراعي نبض الشارع العربي، وقبل ذلك تراعي دينه وعقيدته الإسلامية السمحاء.
إصلاحات منذ هدى شعراوي!!!
وما يؤكد صدق ما ذهبت إليه هو تأكيد الرئيس المصري حسني مبارك أن الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة المصرية تعود إلى سنوات طويلة ترجع إلى عهد « الزعيمة النسائية هدى شعراوي في أوائل القرن العشرين » !!
وهدى شعراوي هي تلك الزعيمة!! النسائية المتحررة من الدين والقيم الإسلامية والعربية، والتي عبرت عن ذلك ودعت النساء إلى إتباعها يوم أن وقفت في ميدان التحرير في وسط القاهرة، وخلعت عنها حجابها وداسته بقدمها خلال مظاهرة نسائية في إشارة منها إلى التحلل من القيم الإسلامية، ومنذ ذلك اليوم أطلق على ذلك الميدان ميدان التحرير، ومن المؤسف أن رئيس أكبر دولة عربية - مصر الكنانة - التي يعتبر شعبها شعباً مؤمناً بالفطرة، ولديه أكبر تيار إسلامي أن يعتبر خطوة هدى شعراوي الانفصالية عن الخلق والأدب الإسلامي - بل قل العربي - خطوة إصلاحية، وواضح جداً أن الرئيس المصري - على جانب آخر - قد فهم مرمى «الإصلاحات» التي تريدها أمريكا للدول العربية ودول جنوب شرق آسيا (أي الإسلامية) .
وليس سراً أننا مع رفضنا للمبادرة الأمريكية المسماة « الشرق الأوسط الكبير » نرفض الرفض العربي للإصلاحات التي يجب أن تنبع من صميم عقيدتنا الإسلامية، ومن حاجات مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالأنظمة العربية التي ترفض المبادرة الأمريكية ترفضها لأنها تعلم أن تاريخ صلاحيتها قد انتهى، وأن هناك مجموعات غير صغيرة ممن دربتهم وعلمتهم وأعدتهم أمريكياً جاهزون للانقضاض على عروشهم وكراسيهم خاصة وأن تبعية الأنظمة العربية الحالية بعد الذي حصل للعراق أصبحت أوضح من قرص الشمس.
ولذلك هناك حاجة ماسة أن تكون الإصلاحات والحريات المنتظرة في العالم العربي والإسلامي نابعة من صميم إرادة الشعوب العربية، ومحكومة لعقيدتها الإسلامية، وليس للإرادة الأمريكية الاستخرابية.
« صناع الحياة »
وما دمنا نتحدث عن الإصلاحات والنهوض بالأمة، ونطلق مبادرة مقابل مبادرة أخرى، فإنّا كأمة إسلامية نملك أجود المقومات وأحسنها، وباستطاعتنا أن نوفر كافة الإمكانيات للنهوض بالأمة الإسلامية من رقدتها، فنحن نملك نظاماً إسلامياً حكم الكون فأبدع قروناً طويلة، ونتمتع بإيمان عال أن تحلينا به فهو كفيل بأن يعيدنا إلى دور الريادة، ولا ينقصنا سوى الإرادة الصلبة والإيمان القوي لتحقيق ذلك، وكما قال صاحب برنامج صناع الحياة الأستاذ عمرو خالد: فإن الألمان لا يتفوقون علينا بشيء سوى الإرادة الكبيرة، والإيمان بالفكرة، وأن اليابانيين لا يتفوقون علينا بشيء سوى الإرادة الكبيرة والإيمان بالفكرة، فهؤلاء الشعبان استطاعا خلال ثلاثين عاماً بعد أن دكت قوات التحالف دولهم دكاً، ودمرتها شر تدمير، وألقت على مدينتي هيروشيما وناكازاكي القنابل الذرية، وسوت المدن الألمانية بالأرض، بعد كل ذلك استطاع الشعبان أن ينهضا خلال ثلاثين عاماً لتصبح دولهم من أكثر الدول تطوراً صناعياً واقتصادياً إن لم تكن أكثرها.
فلماذا لا نكون نحن المسلمين، ونحن الذين نملك كل المقومات اليوم مثلهم، وننهض كما نهض بنا في أزمان سلفت صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، والعز بن عبد السلام، ومحمد الفاتح وغيرهم؟! هل ذلك مستحيل؟! أقول لا إذا توفرت الإرادة القوية والإيمان الكبير بالفكرة مع تجديد الدين في حياتنا.
وهي دعوة لنا جميعاً أن نراقب ونتابع «صناع الحياة » أيام الثلاثاء والجمعة للأستاذ عمرو خالد - حفظه الله -.