أو الحوار بين مسلمين ونصارى
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي (( *
بعث الله نبيهمحمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وأمره بالدعوة إليه، فعمَّ وخصَّ، فقال ـ سبحانه ـ: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] ،
وقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .
وحذَّره ربُّه أن يجنح إلى شيء من محاولات الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين لاستزلاله عما بُعث به، فعمَّ وخصَّ، فقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون] ، وقال في خاصة أهل الكتاب: {وَأَنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} ، إلى أن قال: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ} [المائدة: 48 - 49] .
فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فدعا عشيرته الأقربين، وثنى بسائر العالمين، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: «أن نبي ا صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار؛ يدعوهم إلى الله تعالى. وليس بالنجاشي الذي صلى عليه صلى الله عليه وسلم » (1) . وكان نص كتاب صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم اليريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله؛ فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» (2) .
وعلى هذا الصراط المستقيم سار صحابته الكرام، والتابعون لهم بإحسان، وهم يفتحون القلوب قبل الحصون، ويُدخلون الناس في دين الله أفواجًا، وعلى خطاهم سار الموفقون من سلف هذه الأمة عبر القرون المتطاولة، لا يعرفون غير الدعوة إلى الله بالحجة والبيان، فإن لم؛ فبالسيف والسنان، {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، لا يعرفون شيئًا من الطرائق المحدثة من تقريب أو تلفيق أو توفيق.
فلما استدار الزمان، وتحلحلت عرى الإيمان، وآل حال أهل الإسلام إلى ضرب من الضعة والانكسار في القرون الأخيرة؛ طمع فيهم عدوهم، واستهوى رقاق الدين منهم إلى مدارج من الفتنة والاستزلال ـ والتي حذر الله نبي صلى الله عليه وسلم منها والمؤمنين ـ فاستشرفوها فاستشرفتهم، فلم يزل أمرهم في سفال، فلا هم أرضوا ربهم، ولا هم نالوا من مخالفهم بعض ما منَّاهم به.
فمن ذلك: فتنة (التقارب الإسلامي المسيحي) ، كما كانت تسمى قبل ثلاثة عقود، ثم لطِّفت فسُمّيت: (الحوار الإسلامي المسيحي) ، ثم وُسِّعت بين يدي «اتفاقية أوسلو» للتطبيع مع اليهود، فصارت: (حوار الأديان) ، وربما: (حوار الأديان الإبراهيمية) ، ثم لم تزل تتسع في ظل الدعوة إلى العولمة لتصبح: (حوار الحضارات) فتشمل الهندوسية، والبوذية، وسائر الملل الوثنية، في زخرف من القول، وبهرج من العمل.
وقد كانت الجبهة العريضة ـ تاريخيًا وجغرافيًا ـ تجاه العالم الإسلامي هي الغرب النصراني، ولا يزال، وسيظل كذلك إلى قيام الساعة، كما في حديث المستورد القرشي - رضي الله عنه - أنه سمع صلى الله عليه وسلم يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) (1) . وأحاديث الفتن والملاحم ـ في الصحاح والسنن والمسانيد ـ متوافرة على أنهم خصوم المستقبل، كما أنهم خصوم الحاضر والماضي، وهم اليوم يملكون الآلة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والهيمنة الإعلامية، ومع ذلك تنطلق من مراجعهم الدينية والسياسية الدعوة إلى التقارب والحوار.. فما سر ذلك؟!
إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي أن نلم بجانب وصفي معاصر لنشأة ظاهرة (الحوار الإسلامي النصراني) أو (الحوار بين مسلمين ونصارى) على وجه الدقة؛ حتى لا نضفي على بعض الممارسات الخاطئة الصفة الإسلامية، بل ننسبها إلى أفراد أو هيئات من المسلمين خاضوا فيها بحسن نية وجهل حينًا، وتساهل وتجاهل أحيانًا.