فهرس الكتاب

الصفحة 8374 من 27364

د. صلاح عبد المتعال*

مجلس الشعب

إصلاح الشيء (لغة) هو إزالة التلف أو الضرر عنه وجلب المنفعة والسلامة إليه. وإذا كان الفساد هو التلف والعطب في الأمور والخلل والضرر والانحلال في المجتمع؛ فإن الصلاح هو الاستقامة والسلامة من العيوب وزوال العداوة والخصومة والشقاق، والتخفيف من حدة الصراع فيه. لقد ورد المصطلحان (الفساد والإصلاح) في القرآن الكريم في عشرات المواضع من الآيات القرآنية؛ إذ ورد الفعل فسد ومشتقاته الفعلية والاسمية في 44 موضعا، وورد الفعل صلح بمشتقاته الفعلية والاسمية أيضا في 182 موضعا. وهناك من الآيات التي تشير إلى سنن الله في خلقه، بمعنى أنها قوانين اجتماعية حتمية الحدوث فإذا"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس..." (الروم: 41) أي استشرى، فإن عاقبة ذلك وخيمة بسقوط المجتمع وانهيار أركانه واستهواء المستعمر للتسلط عليه".. إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة..." (النمل: 34) ؛ كذلك الإشارة إلى أن الصلاح والإصلاح يدرأ الضرر والهلاك عن الأمة"وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" (هود: 117) ، ويجلب الخير والرخاء إليها"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض..." (الأعراف: 96) .

الإصلاح أنواع

ويتشكل الإصلاح بمقصد أصحابه فإما أن يكون إصلاحا حقيقيا فتتلاشى التناقضات وتصحح الأوضاع وتستقيم الأمور، أو أن يكون إصلاحا مزعوما هدفه تجميل الصورة أمام الرأي العام فتوضع الرتوش واللمسات الزخرفية ببعض الإجراءات والتغييرات السطحية لأي نقص أو عور في النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، بينما حدة التناقضات البالغة السوء هي التي تبقى على استمرار أصحاب ورعاة هذه النظم المتهالكة بحيث يصيبهم العجز لمواجهة التحديات الراهنة التي ينوء بحملها الوطن العربي.

ورقة الإصلاح العربي التي قدمتها تونس في مشروع عقد القمة العربية هي من قبيل ذلك النوع المزعوم للإصلاح؛ إذ أثارت أزمة مصطنعة لفرض الرأي الأمريكي لأولويات الإصلاح وربطه بالإرادة الأوربية الأمريكية في مشروع شرق أوسطي كبير بما يتيح لإسرائيل التلاعب بمقدرات العرب وإرادتهم السياسية، خاصة بعد تهميش القضية الفلسطينية والغزو الأمريكي للعراق وإبراز قضية الإرهاب في المقدمة ابتغاء إدانة المقاومة المشروعة للطغيان الإسرائيلي في فلسطين وللاحتلال الأمريكي للعراق.

تكريس التبعية

لوحة من ألوان الطيف السياسي بالغة التنافر بين ألوان العمالة السياسية لأمريكا التي تقارب نجمة داود، والعجز العربي والتناقض بين أنظمة الحكم ومصالح شعوبها، والتظاهر بالرغبة في الإصلاح لذر الرماد في عيون الشعوب المقهورة التي استيئست من مطالب الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي، وتمكين الإنسان العربي من حقوقه في العدالة والحرية والمساواة التي سلبت منذ أن تمكنت هذه الأنظمة على مر عقود من القرن العشرين، خاصة بعد أن نالت استقلالها من الاستعمار الأوربي من الخليج إلى المحيط.

ثم تفرط هذه النظم في استقلال شعوبها بتكريس التبعية الاقتصادية والسياسية واستمراء السلطة المستبدة، حيث حرمت مواطنيها من حق المشاركة في صناعة قرارات التنمية الاقتصادية والحرية السياسية في التعبير وتشكيل الأحزاب وتقييد مؤسسات المجتمع المدني وفتح الأبواب لاستشراء الفساد وصناعته بطرق مستحدثة تواكب العصر تعلو على أساليب الجرائم التقليدية ضد النفس والمال، بل تصل بجرائمها إلى حد إفراغ الخزائن من المصارف والبنوك وسلب الأوطان من عصبه الاقتصادي بقروض ومنح مردوده لأصحابها الأمريكان والأوربيين مرة أخرى، مما يغرق الأمة بديون من المليارات التي تربطهم بعجلة الدائن المقرض فتتفاقم التبعية الاقتصادية والسياسية، وتفرض السياسات الإنتاجية وتتضاءل مساحة زراعات المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والذرة بالتحديد، وتفرض مشروعات الصناعة الاستهلاكية المعتمدة على الآلات المستوردة بقروضها الربوية المستغلة. وغير ذلك الكثير الذي يفتح الثغرات الكثير لانتشار الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.

وتفوح رائحة الفساد بما يزكم الأنوف وذلك على أعلى المستويات السياسية والاجتماعية بين وزراء ووكلائهم وتصدر ضدهم الأحكام. ولا تقف تراكمات الفساد عند حد معين، بل تتكرر دون ضابط أو وازع أو حسم يقطع دابر المفسدين؛ مما يشير إلى أن الظاهر هو قمة الجبل الجليدي من الفساد الذي يخفي تحت مياهه إفسادا لن تنتهي توابعه إلا بإصلاح شامل يبدأ بثورة على الفساد والإفساد.

منظمات الشفافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت