-في نظري أن المبادرة تعلن عن أهداف تبدو في ظاهرها دعوة لمحاربة الاستبداد الذي تعاني الشعوب من قهره وبطشه، ودعوة لمحاربة الأمية والجهل اللذين يعيقان حركة المجتمع، ودعوة لتنمية اقتصادية تخرج المجتمع من واقع التخلف والانحطاط. ثلاثة أهداف لا يمكن لعاقل أن يجادل في أهميتها، غير أن السياق الذي تأتي فيه المبادرة يفرض طرح عدة أسئلة عن خلفيتها وعن حقيقة مضامينها.
فالمبادرة تأتي في سياق يعرف ارتفاع موجة العداء من طرف أغلب أبناء الأمة الإسلامية المستضعفة إزاء أمريكا، بسبب سياستها الخارجية التي تكيل بمكيالين في قضايا أمتنا في فلسطين والعراق وغيرها. سياسة تجعل من المجرم الإرهابي الغاصب للأرض والوطن ضحية، ومن المدافع عن أرضه ووطنه وهويته مجرمًا إرهابيا. سياسة صنعت أنظمة الاستبداد، ودعمتها، ورعتها، وتغاضت عن جرائمها في حق شعوبها لعقود. سياسة دمرت شعب العراق وحضارته بدعوى البحث عن أسلحة الدمار الشامل، فوجد الدمار، ولم توجد الأسلحة إلا تلك التي صنعتها أمريكا. سياسة تتغاضى عن أسلحة الدمار الشامل المعلنة لدى الكيان الصهيوني، وعن جرائم التقتيل والتدمير والتخريب التي تستهدف الشعب الفلسطيني الأعزل.
كيف يمكن الجمع بين هذه الأفعال المؤلمة وتلك الأهداف"النبيلة"؟ إن المقارنة بين الأفعال والدعاوى يطرح أكثر من علامة استفهام على الخلفية ومضامين الأهداف المعلنة لدى كل ذي عقل. لا نقول هذا من باب رفض كل ما يأتي من الآخر، بل نحن مطالبون شرعا بالانفتاح على كتاب العالم وتجارب الإنسانية، بقدر انفتاحنا على كتاب الله المقروء جل وعلا، ومطالبون بالتعاون بين بني البشر، لكن على أي أساس؟
فلمصلحة مَن هذه المبادرة؟ هل لمصلحة الشعوب المسلمة التي منعت النصرة؟ أم لصالح أمريكا لحماية ورعاية مصالحها غير المشروعة في المنطقة؟ أم لصالح إسرائيل التي توفر لها المبادرة إطارا للاعتراف والتطبيع والتمكين من خيرات المنطقة، كما توفر لها فضاء لمسخ الهوية العربية والإسلامية بتسمية الأمور بغير مسمياتها"الشرق الأوسط الكبير"؟.
هل أمريكا جادة في تحقيق الديمقراطية في أوطاننا؟ هل هي على استعداد للقبول بنتائج صناديق الاقتراع، ولو كانت لصالح الحركات الإسلامية وبرامجها ومشروعها المجتمعي، ولو ذهبت بكراسي حلفائها ومن صنعوا على عينيها؟ هل يمكن لأمريكا أن تحترم إرادة الشعوب المسلمة في تحديد نظام حكمها، في حالة اختيارها للإسلام القائم على الشورى والعدل؟
ما المقصود من تحقيق المجتمع المعرفي؟ هل بتمكين الشعوب المسلمة من محاربة الأمية والتسلح بالمعلوميات والعلوم والتكنولوجيا والتقانة المحتكرة من طرف الغرب؟ أم الهدف هو الدعوة لإصلاح التعليم بمحاربة كل ما يمت بصلة لكتاب الله وسنة رسول ا صلى الله عليه وسلم في برامجنا التعليمية، بدعوى أنهما يربيان على العنصرية والكراهية حتى تنسلخ الأمة عن هويتها وتتجرد من كل مقوماتها؟
وعن أي تنمية اقتصادية يتحدثون؛ هل سيمكنوننا من خيراتنا وسيرفعون أيديهم عن مصادرنا الحيوية؟ وهل سيتراجعون عن بخس أثمان موادنا الأولية وإغلاء أثمان موادهم المصنعة؟ أم سيزيلون مشنقة الديون عن رقاب شعوبنا، ويكسرون قيود المديونية التي يتحكمون في أسعار فوائدها الربوية، والتي تثقل كاهل الأمة عن أي انعتاق أو تحرر اقتصادي؟ ليس العيب أن يقدم لك أحد يد المساعدة أو النصيحة، ولكن هل تنفصل النصيحة والمساعدة عن فعل الناصح والمساعد؟