فهرس الكتاب
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر 22/4/1424
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
أمّا بعد:
يعيش إخواننا في فلسطين هذه الأيام مرحلة عصيبة من تاريخهم ، فالاستكبار اليهودي قد بلغ أوجه، وكشف شارون عن وجه بني صهيون الحقيقي ؛ فالقتل ، والتشريد وهدم المنازل والحصار الاقتصادي الرهيب، وخامسها: الخذلان المخزي من لدن المسلمين عامة ، والعرب خاصة لإخوانهم في فلسطين ، كل هذه الأحوال تطرح سؤالاً مهماً: هل لهذا الأمر من نهاية؟ وهل لهذه البلية من كاشفة ؟ ويتحدد السؤال أكثر: أين المخرج ؟ وما السبيل ؟ وبخاصة وقد بلغ اليأس مبلغه في نفوس كثير من المسلمين ، وبالأخص إخواننا في فلسطين ، وأصبح التشاؤم نظرية يروج لها البعض ، مما زاد النفوس إحباطاً ، والهمم فتوراً .
وأقول: مع مرارة الواقع ، ووجهه الأسود الكالح ، وامتداد هذا الليل ، وتأخر بزوغ الفجر ، مع ما يحمله هذا الليل من فواجع ومواجع مصحوباً بالرعود والبروق والصواعق والرياح العاتية ، كل ذلك لا ينسينا سنن الله في الكون ، وأن الظلم مهما طال فلن يستمر ، وأن تقدم مدة الحمل مؤذن بالولادة ، وساعات الطلق الرهيبة تعلن نهاية المعاناة"فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا".
إننا من أجل أن نعرف كيف يتحقق النصر ، لابد أن ندرك كيف وقعت الهزيمة ، ومن أجل أن نرسم طريق الخلاص لابد أن نعرف كيف حدثت المعاناة ، وما بني في عشرات السنين ، لا تنتظر زواله بين غمضة عين وانتباهتها ، لأن السنن الكونية تدل على غير ذلك ، فكما أن هناك أركاناً للهدم ، فهناك أسس للبناء ، وما شيدته الجاهليات المتعاقبة على مرور الأزمان اقتضى وقتاً ليس باليسير حتى هدمه الأنبياء والمصلحون ، وأقاموا مكانه بناء راسخاً لا تهزه الرياح ، وسأسوق هذه الرؤية مسلسلة بنقاط مستقلة ، تؤخذ النتيجة من مجموعها ، لا من آحادها حيث يكمل بعضها بعضا ً، ويأخذ بعضها برقاب بعض.
* أرض فلسطين أرض أسلامية:
المسجد الأقصى على مرّ التاريخ كان مسجداً إسلامياً ، ومن قبل أن يوجد اليهود ، ومن بعد ما وجدوا"سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله"وفلسطين أرض الأنبياء منهم: إبراهيم وموسى وعيسى وزكريا ويحيى وغيرهم - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- وكلهم مسلمون"إن الدين عند الله الإسلام"،"لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون"إذاً فلسطين أرض إسلامية ، لا حق لأحد غير المسلمين فيها،"إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".
وهذا منطلق مهم ، وأرضية صلبة يبنى عليها ما بعدها من مواقف وتضحيات .
* يهود الأمس ويهود اليوم:
بنو إسرائيل الذين آمنوا بموسى - عليه السلام - غير يهود اليوم ، فأولئك كانوا مسلمين مؤمنين ، وهؤلاء كفار مشركون تبعاً لمن كفر بموسى وخرج عن شريعته ، وبنو إسرائيل هم نسل يعقوب - عليه السلام - الذي قال الله عنه:"ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
أغلب يهود اليوم ليسوا من بني إسرائيل ، بمعنى أن الذين يحتلون فلسطين اليوم ليسوا من نسل بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى عليه السلام أو سلالتهم ، حيث إن اليهود الذين يعتبرون من نسل بني إسرائيل وهم المعروفون بـ (السفارديم) لا يزيدون عن 20% من عدد اليهود في العالم ، مع ما داخل هذا العدد من امتزاج وتزاوج مع جنسيات وسلالات أخرى بمعنى أن هذه النسبة القليلة ليست نسبة خالصة من نسل بني إسرائيل ، أمّا النسبة الكبرى من يهود اليوم 80% فليسوا من نسل اليهود الأصليين ، بل هم من أصول أوروبية وشرقية ومن مختلف بلدان العالم، وهم المعروفون بـ (الاشكنازيم) حيث دخلوا اليهودية بالتحول من دياناتهم الوثنية وغيرها.
* الصراع في فلسطين صراع قديم:
الصراع هناك لم يكن وليد اليوم ، وإنما له جذوره في التاريخ ، ولم يكن ذلك الصراع صراعاً عرقياً أو قومياً ، وإنما هو صراع بين الحق والباطل ، وبيت المقدس كان على مرّ التاريخ ملكاً للمسلمين ، وهم الأنبياء وأتباعهم الموحدون ، وعندما تزيغ طائفة عن هذا الطريق يبعث الله من المؤمنين من يعيد الحق إلى نصابه ، والبيت إلى أهله ، بل قد يبعث الله من يؤدب أولئك الذين خرجوا عن دينه ، وانحرفوا عن سبيله ، وطغوا واستكبروا .
إن المتأمل لهذا الصراع في جميع فتراته يدرك طبيعة المعركة ، وأنها بين الحق والباطل ، بين التوحيد والشرك ، بين الكفر والإيمان ، لم تكن المعركة - أبداً - عرقية ، أو قومية ، أو وطنية ، لم تكن بين جنس وجنس ، وقبيلة وقبيلة من أجل أرض أو تراب ، إن إدراك هذه الحقيقة، يبين لنا كيف حدثت الهزيمة ، ولماذا تأخر النصر ، وكيف يتحقق الانتصار .
* فكرة الدولة اليهودية: