فهرس الكتاب

الصفحة 19619 من 27364

مجلة البيان - (ج 92 / ص 84)

بقلم: د. عبد لله عمر سلطان

هناك مثل أمريكي يقول: (أحسن اختيار كلماتك؛ فإنك لا تدري متى تضطر إلى بلعها) ، ومادام أن هناك غراماً متبادلاً بين السلطة الوطنية الفلسطينية وكل ما هو أمريكي فإن من الحكمة أن يتأمل رأس السلطة هذه المقولة علّه يستفيد شيئاً من هذه العلاقة الخطرة التي تشبه علاقة الصداقة المفاجئة بين الذئب المفترس والحمل الغبي..، ومناسبة لفت النظر هذا يرجع بالدرجة الأولى إلى تلك التصريحات العنترية التي لا زالت رموز السلطة الوطنية تطلقها بين الحين والآخر على الرغم من أن القاصي والداني عرف حجم هذه القيادات، كما أن الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته يدفع يوميّاً ثمن مسلسل الأخطاء الفادحة لقيادة أصبحت تتقن دوماً اختيار الأسوء وممارسة الفاحشة السياسية في وضح النهار..

لقد ذكر الشاعر الفلسطيني المسؤول عن جهاز الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية (محمود درويش) ـ في محاضرة له بعمّان قبل أسابيع ـ أن البعض: (يريد من الفلسطينيين أن يتخلوا عن ذاكرتهم التاريخية خلال عملية المفاوضات) ، ولا شك أن درويش ـ وهو شيوعي سابقاً، ليبرالي لاحقاً ـ يعبر عن حالة من (القرف) تنتاب حتى الذين لا يؤمنون بثوابت الأمة وقد يشاركون السلطة الحالية بعضاً من المسؤولية التي آل إليها الحال بعد اتفاق أوسلو..

لقد أعلن في يوليو 1995 عن توصل الطرفين الصهيوني والفلسطيني إلى اتفاق تنسحب بموجبه قوات الاحتلال الإسرائيلية عن بعض المدن الآهلة بالسكان في الضفة الغربية المحتلة حسب اتفاق (أوسلو) ، مما يمهد السبيل لإجراء انتخابات (لم تحدد هويتها أو عدد المشاركين من ناخبين أو مرشحين، حيث لازالت إسرائيل تفكر في كل هذه التفاصيل) بعد شهور من الانسحاب، وعلى الرغم من أن انسحاب إسرائيل من أجزاء من الضفة الغربية المحتلة يشكل حدثاً أكبر بكثير من انسحاباتها الاستعراضية السابقة من غزة أو أريحا، إلا أن الإعلان لم يُصاحَب هذه المرة بتلك الحملة البهلوانية عبر أجهزة الإعلام العربي، حيث إن كذبة (أوسلو) لا تزال عالقة بالأذهان، كما أن الحشد العاطفي والكلام الرخيص المنمق الذي وعد به (مسوقو التطبيع) يترجم حالياً إلى مأساة جديدة يدفع الفلسطينيون ثمنها..

وعلى الرغم من وجاهة المثل الأمريكي السابق، إلا أن عرفات أصر على أن يدشن الاتفاق بتصريح فولكلوري يذكر بأيام المد الثوري والتصريحات النارية؛ فبعد يومين من الإعلان عن الاتفاق صرح عرفات في جنيف: أن الانتخابات الفلسطينية لن تجرى قبل انسحاب إسرائيل من كل مدن وبلدان وقرى ومخيمات الضفة الغربية، وعلى الرغم من أن عرفات سيبتلع هذه الكلمات لاحقاً كما ابتلع ما هو أكبر منها في السابق، إلا أن النخب السياسية التي يمثلها تعرف حتماً أنه حتى تلك التصريحات التي لا زالت الطبقة الحاكمة ترى أنها للاستهلاك المحلي لم تعد تحظى حتى بقبول المستهلكين اللذين يحيون بالإذلال والدونية من تصريحات رغوية كهذه، في الوقت الذي يكرس الجانب الإسرائيلي مطالبه على أرض الواقع بدعم كامل من الولايات المتحدة، وبانهزام متعدد الجبهات على الساحة العربية.

لماذا لم يحتفلوا بالانسحاب الجديد؟

عندما زار الكاتب الفلسطيني (إدوارد سعيد) لندن وألقى محاضرة فيها، طالب السلطة الوطنية الفلسطينية أن تبادر بشجاعة وتعلن على الملأ عجزها عن مواصلة الطريق المظلم الذي قادت إليه شعبها، وأن تبادر إلى احترام شعبها وتنشيء حواراً داخليّاً للخروج من مأزق الحل الهزيل الذي أصبح وصمة عار في مسيرة القضية الفلسطينية، تتم تصفيتها بكل سهولة وبمباركة (سلطة وطنية) (بضم السين وليس بفتحها وإن كان الفتح يلائم(فتح) هذه الأيام) فالبطالة في عهد عرفات زادت عن الستين بالمئة وأحلام (سنغافورة الشرق الأوسط) ثبت أنها أحلام ثقيلة الظل، ووزير الإعلام في سلطة الحكم الذاتي يمنع من الدخول إلى مناطق محتلة ويظل ينتظر في سيارته أربع ساعات ثم يضطر إلى العودة من حيث أتى، هذا فضلاً عن رفض إسرائيل حتى لحاشية عرفات بالدخول، ورفضها انتقاله شخصيّاً دون إذن ولي الأمر الإسرائيلي، أما المشروع الوطني القائم على الاحتفاظ بالأرض والصلاحيات والسيادة: فقد ذهب أدراج الريح؛ فسلطة عرفات لا تتمتع من مظاهر السيادة سوى بفرش السجاد الأحمر للضيوف وتقديم عصير البرتقال الفلسطيني بدلاً من ذلك المصنوع في حيفا!!

لقد أفرزت مرحلة ما بعد اتفاق (أوسلو) حقائق صارخة تجعل من الاحتفال بهذا الانسحاب ـ لو تم ـ كابوساً آخر تسعى إسرائيل لتجريعه لكل الفلسطينيين، لا سيما أولئك الذين رضوا بالدنية وساروا وراءها لاهثين.

ولن نستطيع أن نعدد المكاسب والمواقع التي أنجزتها دولة الصهاينة منذ (مدريد) ، لكن يكفي التذكير ببعض المعالم المهمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت