فهرس الكتاب

الصفحة 10271 من 27364

برنارد لويس ... وصهينة الدراسات الاستشراقيّة

د. بدران بن الحسن 25/1/1426

ولد برنارد لويس سنة 1916 في لندن لأسرة يهودية، تخصص منذ التحاقه بالدراسات العليا في دراسة الشرق والإسلام بالتحديد وتاريخ الإسلام والمسلمين. وقد حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن عام 1936، كما حصل على درجة الدكتوراه في تاريخ الإسلام من المدرسة نفسها عام 1939، وكان موضوع رسالته عن الطائفة الإسماعيلية وجماعة الحشاشين.

وأثناء دراسته الجامعية عين مدرساً مساعداً بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية، غير أنه ترك العمل بالجامعة خلال سنوات الحرب (1940 - 1945) ليلتحق بخدمة المخابرات البريطانية وبعد الحرب، عاد للعمل بالجامعة حتى عام 1974. واستمرت صلته بالمخابرات البريطانية بعد ذلك، وظل مرجعاً مهماً ومستشاراً يُرجع إليه في شؤون الشرق الأوسط، ولذلك فإنه بمجرد انتهاء الحرب العالمية الثانية غيّر اهتمامه من دراسة تاريخ الإسلام في العصور الماضية، إلى دراسة تاريخ الشرق الأوسط والعالم العربي خاصة في العصر الحديث، ونشر في ذلك عدة كتب تصبّ كلها في تنميط صورة صهيونية عن الإسلام والمسلمين عموماً وعن العرب بشكل خاص، تصب كلها في خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة، وتوجّه صانع القرار الغربي والأمريكي بوجه خاص وتزوده بأفكار وزاد معرفي للتعامل مع مختلف قضايا الشرق الأوسط، وتقوم أساساً على إستراتيجية التهويل من خطر الإسلام على الغرب، وتصوير الإسلام والعالم العربي كأنهما الخطر المحدق بالحرية الغربية وبالمصالح الغربية، وتدعو صراحة أو تلميحاً إلى ضرورة دعم دولة الصهاينة في فلسطين المحتلة.

وللعلم فإن برنارد لويس اليهودي البريطاني سرعان ما تخلّى عن الجنسية البريطانية، وتأمرك وصار أمريكياً لما صعد نجم الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها في قضايا الشرق الأوسط، فالتحق بأمريكا سنة 1974 ليعمل في جامعة برنستون، وهناك صار نبياً من أنبياء الصهيونية المعاصرة، وعبّر في كثير من كتبه عن هذا التصهين في رؤيته للسياسة الخارجية الأمريكية وقضايا الشرق الأوسط.

ويُلاحظ على برنارد لويس وفاؤه لمنهج الاستشراف في بداياته، حيث كان آلة في خدمة الاستعمار، ولم يتأصر بالتطورات التي حدثت في هذا الحقل المعرفي، وظهور بعض المستشرقين الذين أبدوا موضوعية أكثر في دراسة الإسلام والعرب والشرق.

بل ظل برنارد لويس من طراز مارجليوث وجولدزيهر وغيرهما من المستشرقين شديدي التحيّز ضد الإسلام والعرب، وظل وفياً لمنهجهم في إصدار التعميمات غير العلمية وغير المبرهنة عن الإسلام والعرب وعن منهج دراستهما.

فراح يعمم مقولاته المتحيزة وغير العلمية، بل والكاذبة في منطق العلم والبحث العلمي، عن الإسلام والتخلف الحضاري في العالم الإسلامي، والتخلف العربي. وكان من أوائل من تكلم عن صراع أو صدام الحضارات، ثم تلقفها بعد ذلك تلميذه صموئيل هاتنجتون اليهودي الأمريكي صاحب فكرة"صدام الحضارات"و"الحدود الدموية للإسلام"وغيرها من التقوّلات المتخرصة.

لقد وجد برنارد لويس في أمريكا وفي جامعة برنستون مسرحاً آهلا بمن يتبنّون أفكاره الاستشراقية الظلامية، وأيديولوجيته الصهيونية، وراح يكيل التعميمات تلو التعميمات السوفسطائية، من أجل تنميط صورة المسلمين والعرب بطريقة سلبية تجعل من يستمع أو يقرأ له يشعر بالقرف من هؤلاء العرب ومن دينهم، ويتخذ موقفاً سلبياً منهم، ويشعر بتعاطف كبير مع"العالم الحر"ومع الصهاينة"المضطّهدين"بزعمه.

تولى برنارد لويس في جامعة برنستون خاصة وفي أمريكا عموماً قيادة حقل الدراسات الاستشراقية التي كان يهيمن عليها الصهاينة أو المتصهينين المتمركزين في أقسام ومراكز دراسات الشرق الأوسط، والدراسات الإسلامية، بالجامعات الأمريكية، أمثال ليونارد بايندر، وإيلى كيدورى، ودافيد برايس، و دانيال بايبس، ومارتن كريمر، وتوماس فريدمان، ومارتن بيرتز، ونورمان بودو رتز، وجوديت ميلر، وغيرهم.

والأخطر من ذلك أن ربنارد لويس وأشياعه لم يكونوا في حقيقة الأمر أكاديميين فقط، بل كان لهم دور استشاري من خلال عملهم خبراء لدى هيئات ودوائر اتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأمريكية.

وظل برنارد لويس أستاذاً للدراسات الشرقية بجامعة برنستون حتى تقاعده من العمل الأكاديمي في 1986؛ إذ أصبح أستاذاً فخرياً (P r ofesso r Eme r itus) ، وهو مركز جعله يبقى مرجعاً فيما يتعلق بالإسلام والعرب والشرق الأوسط ليس للأكاديميين الغربيين فحسب، بل لدوائر صنع القرار الأمريكي خاصة.

يركز برنارد لويس في كتاباته عن الإسلام والمسلمين والعرب والعالم العربي على مجموعة من الآليات الخطيرة، مثل آليات (ميكانزمات) التهويل، والبتر والتقطيع، وآلية التهوين (الإهمال) . فهو يهوّل ما كان هامشياً أو عفوياً أو قليل الحضور في التاريخ الإسلامي والثقافة والحضارة الإسلامية، ويهوّن (يهمل) ما كان غالباً مهيمناً في الحضارة والفكر الإسلامي وفي الثقافة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت