فهرس الكتاب

الصفحة 7870 من 27364

الحمد لله رب العالمين ؛ خلق الخلق بقدرته، وقضى فيهم برحمته وعدله ، لا يقع شيء إلا بأمره، ولا يقضى شأن إلا بعلمه (( يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) )أحمده على ما هدانا وأولانا ، وأشكره على ما أعطانا وآوانا ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ لم يقدره الخلق حق قدره، ولا عبدوه حق عبادته (( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) )وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمدا عبد الله ورسوله ؛ أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - وأطيعوه ؛ فإن العباد مهما بلغوا مفتقرون إلى ربهم ، محتاجون إليه في كل لحظة وحين ، وإذا اشتدت المحن ، وعظم الكرب ، فلا فرج ولا مخرج إلا بالله العليم القدير (( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فذل فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) ) (يونس: 32،31) .

أيها الناس: لقد أنعم الله تعالى على البشر عامة بدين الإسلام الذي هو الرحمة والعدل ، ثم كانت النعمة الخاصة لمن أسلم دينه لله تعالى، واتبع الحق من ربه، وجانب الباطل بأديانه المختلفة، ومذاهبه المتعددة، فانخلع من أدران الوثنية ، ومن أوضار الأديان المحرفة، وسلم من ظلمات الإحداث والبدعة، فكان إسلامه نقيا صافيا كما شرعه الله تعالى وارتضاه ، وأنزله على رسولهمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتلك نعمة لا يدرك كثير من المسلمين عظمها وقدرها ، فلا يشكرون المنعم علينا بها (( قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ) (الحجرات: 17) .

إن العرب في جاهليتهم لم يكونوا شيئا يذكر ، ولا أمة تعرف فتهاب ، ولم يحسب الآخرون لها أي حساب؛ لأنهم كانوا قبائل متفرقة ، وعشائر متناحرة ، يفني بعضهم بعضا في سبيل ناقة عقرت، أو خيل سبقت، أو كلمة قيلت ، وكانت السيادة للفرس والروم.

لقد كانت القبائل العربية المتاخمة لبلاد الفرس أو لبلاد الروم تابعة لإحدى هاتين القوتين العظميين آنذاك ؛ فملوكهم يعينون بقرارات من قصور الأكاسرة والقياصرة ، وأبناؤهم يرمى بهم بين السيوف والرماح لصنع أمجاد ليست لهم ، وإنما هي لملوك الفرس والروم ، فاصطنع الفرس قبيلة لخم اليمانية ومنحوا رؤساءها لقب (الملوك) فكان منهم ملوك المناذرة, واصطنع الروم قبيلة تنوخ العدنانية ومنحوا رؤساءها أيضا لقب (الملوك) فكان منهم ملوك غسان ، وكم أهريقت من دماء لأبناء هاتين القبيلتين وأحلافهما في سبيل عرشي كسرى وقيصر.

والحرب بين فارس والروم قديمة قدم دولتيهما ، تكون الغلبة للفرس تارة، وتارة أخرى تكون الغلبة للرومان.والفرس أسبق في الدولة والقوة من الرومان ، ولما سُبي اليهود بأيدي البابليين ونُقلوا إلى العراق أعادهم أمبراطور فارس قورش الإخميني إلى فلسطين قبل ميلاد المسيح عليه السلام بخمسة قرون وزيادة ، وكان ذلك أول تقارب تاريخي بين الفرس واليهود ، و قبل الميلاد بثلاثة قرون وزيادة قامت للرومان دولة وثنية قوية على يد الإسكندر المقدوني الذي يعده الأوربيون أعظم قائد روماني في التاريخ ، فقضى على دولة الفرس ، وضمها إلى مملكته ، ولكن الفرس أعادوا دولتهم بعد قرن من الزمان ، وقويت دولتهم بعد قرون خمسة في عهد الساسانيين، وظلت الحروب والثارات مشتعلة بين الفرس والروم قرونا تباعا ، وكانت قبائل العرب من حطب حروبهم.

وبعد بعثة صلى الله عليه وسلم شن كسرى الفرس إبرويز حربا ضروسا على الروم استولى فيها على بلاد الشام ومصر , وسلب الرومان صليبهم الأكبر، ونقله من بيت المقدس إلى المدائن عاصمة الفرس , وهذه الحادثة هي التي ذكرت في القرآن (( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت