فهرس الكتاب

الصفحة 13146 من 27364

بقلم عبدالله بن محمد المالكي

في خضم الجدال الواسع في الساحة الثقافية؛ حول قضية (تجديد الخطاب الديني) ، نجد بين الحين والآخر من يحاول أن يفسَّر الإسلام تفسيراً بعيداً عن المنهج العلمي المبنيِّ على إجماع السلف وأصول الاستنباط وشروط الاجتهاد ومراعاة وحدة الأدلة الشرعية والمقاصد الكلية في الإسلام .

وإنما يحاول أنْ يبني قراءته من خلال منهجٍ عقليّ مجرَّدٍ عن الوحي، أو من خلال ذهنيةٍ منهزمة أمام ما أنتجته الثقافة الغربية، أو بناءً على قناعةٍ فكريِّة غالباً ما تكون من مخلَّفاتِ الاستشراق؛ مما يجعله يتخبَّط تخبُّطاً واضحاً وينْحَرفُ انحرافاً شديداً في فهم الإسلام .

ولا شكَّ أنَّ هذا المنهج غير العلميِّ (المنحرف) في فهم الإسلام، كان له أثرٌ سلبيٌّ في محاولة تجديد الخطاب الدينيِّ المعاصر، وإحياءِه وبعثِه في الأمة، حتى أصبح مصطلح (التجديد) مرادفاً لمصطلح (التبديل) و (التحريف) ؛ نتيجةً لتلك الاتجاهات الفكرية المنحرفة التي قامت عليها عملية التجديد .

والمتأمل في حركة التجديد منذ بداية الفكر الإسلامي المعاصر (1) ؛ يجد أنها انطلقت بعد صدمة حضارية أُصيبَ بها العقل المسلم في بداية القرن الماضي نتيجةً للانبهار لما وصل إليه الغرب من التقدم العلميِّ والصناعيِّ والعسكريِّ مقارنةً لما وصلت إليه الأمة من حالة الجمود والضعف والتخلف .

وهنا تكمن المشكلة ! أي: عندما يكون التجديد ردّةَ فعلٍ لما وصل إليه الغرب .

وذلك لأن الذي يقوم بعملية التجديد - في حالةٍ كهذه - سيكون مسْتلَباً مِنْ قِبَل الغرب (المتحضِّر!) ، ويكون هو المعيار الوحيد في تحديد مفهوم التقدم، ويكون هو المسيطر عليه في فهم الحضارة، وهذه هي الحالة التي اصطلح عليها ابنُ خَلْدون في نظريته الشهيرة، بـ (تقليد الغالب للمغلوب) ، حينما قال:"إن المغلوب مولعٌ أبداً بالإقتداء بالغالب في شعاره وزِيِّه وسائر أحوله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه" (2) .

ولا شك أن هذا الاعتقاد بالكمال في حضارة الغالب نجده واضحاً في كثيرٍ من أدبيات المثقفين العرب، منذ بداية هذا القرن الماضي، الذين دائماً ما يبشِّرون بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أوربا، وبالمناهج الوضعية الغربية في العلوم والآداب والفلسفة دون وعي أو معيار ديني . ففي بداية القرن الماضي كان يقول (طه حسين) :"إنَّ سبيل النهضة واضحةٌ مستقيمةٌ ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أنْ نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهدم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة: خيرِها وشرِّها، حُلوِها ومُرِّها، وما يُحَبّ منها وما يُكره، وما يُحْمد منها وما يُعاب" (3) . وهذه النص واضح لا تأويل فيه: (شرها) و (مرها) و (ما يكره) و (ما يعاب) هو سبيل النهضة كما يراه (أستاذ الجيل!) .

وهذه العقدة ما زالت منتشرة - في الوقت الحاضر - بين كثير من المثقفين العرب الذين يريدون أن يمارسوا عملية (التجديد) من خلال هذه النفسية المريضة بـ (الغرب!) ، والدكتور نصر أبو زيد (المحكوم عليه بالردة في مصر) يصلح أن يكون أنموذجاً على ذلك، فهو يؤكد بوضوح أنه لا يجوز الاكتفاء بنقل (المشترك الإنساني العام) من الحضارة لدى الغرب، كالآلة والتقنية والعلوم التجريبية ونحو ذلك، وإنما لابدَّ من أنْ نقوم بنقل العقلية الغربية قبل ذلك، وأنْ نتوسل إلى ثقافتهم . يقول في كتابه (الخطاب والتأويل) :"لقد تم تطبيق منهج الاستيراد خلال عقود طويلة، ولم ينجح لا في تأسيس مجتمع علمي، ولا في خلق مناخ للتفكير العلمي، والعلة في تقديري أننا نظرنا إلى تفوق الغرب بوصفه تفوقاً في العلم والتكنولوجيا وحدهما، دون مجال الفكر والفلسفة والثقافة والفنون، أي دون مجال النشاط الروحي !! ... إن الإنسان المنتج للعلم والتكنولوجيا هو الإنسان الذي تمَّ تكوينه معرفياً منذ الطفولة بتدريبه على أهمية إثارة الأسئلة، وتقليب الاحتمالات الممكنة، والاستعداد للتخلي عن قناعته إذا ثبت له عدم دقتها، والأهم من ذلك كله عدم قبول الرأي الشائع دون فحصٍ ونقد، إنه منهج الشك والمراجعة !! وإعادة النظر، لا منهج الإيمان الأعمى واليقين الزائف والطاعة والتقليد !!" (4) .

هذه هي أزمة هؤلاء المثقفين العرب في علاقتهم مع الغرب، فحتى نتطور ونملك التقنية والتكنولوجيا والاقتصاد القوي، يجب أن ننسلخ بالكلية من عقيدتنا وتراثنا وتاريخنا، وننتهج منهج الشكِّ والفوضى والعبثية الغربية .

وأعود فأقول: إنَّ المشكلة لم تكن في الانبهار والتأثر بالغرب فحسبْ، كما هو حال هؤلاء المثقفين، وإنما المشكلة - والعميقة - أنْ يُمَارَس تجديدُ الدين من خلال هذه النفسية المستلَبة والمنهزمة تجاه الغرب .

حينها يفقد (التجديد) مساره !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت