فهرس الكتاب

الصفحة 13147 من 27364

لأننا حينئذٍ نبتعد كثيراً عن المفهوم الشرعي للتجديد، الذي يتخذ الدين أبرز مكوِّن للذات المسلمة وللحضارة الإسلامية عبر التاريخ، ومعياراً صارماً لمعرفة الصحيح والباطل، وقاعدةَ انطلاقٍ نحو التقدم والتحديث . وعندما نقول الدين فإنما نقصد الدين الذي عاشه صلى الله عليه وسلم وفهمه ومارسه أصحابه من بعده، لأن هذا الدين بمفهومه الأول - قبل الانحرافات أو الإضافات - كان هو العامل الأساسي والفاعل المؤثر في نهضت المسلمين الأوائل . ولذا يقول صلى الله عليه وسلم {خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ...} [رواه البخاري ومسلم] والخيرة هنا مطلقة: خيرة الدين والفهم والفقه والمعرفة، وليس خيرة السلوك والأخلاق فحسبْ ! ويقول صلى الله عليه وسلم {قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك . ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين، الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ} [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح] .

وحينما بدأ يتسرب إلى هذا المعيار (= الدين) الانحرافات وتتراكم عليه الإضافات البشرية (= البدعة) ويبتعد عن الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية؛ بدأ حينها الفساد والضعف والتخلف يتسرب إلى حياة المسلمين عبر التاريخ، وكلما زادت الانحرافات والتراكمات ... زاد الفساد والضعف والتخلف .

فيأتي حينئذٍ دور المجدِّد في إحياء الدين من جديد بتنقيته من البدع والخرافات ونقد الممارسات والمقالات البشرية المخالفة لصورة الدين الأولى في عهد تلك القرون المفضلة ... حتى يكون ربانياً خالصاً كما أنزل .

ولهذا كانت الحكمة الإلهية في وجود مجدد في كل رأس مئة سنة، مهمته الأساس: إعادة الأمة إلى المفهوم الصحيح للإسلام، وحينما تعود الأمة إلى دينها الصحيح سينقشع عنها غبار التخلف، ويشرق أمامها أنوار التقدم والحضارة . قال صلى الله عليه وسلم {إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة، من يجدد لها دينها} [رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح] .

ولعل مقولة الإمام مالك - رحمه الله - التي وضَّح فيها المسار الصحيح لعملية التجديد والنهوض بالأمة عند أئمة السلف، تصلح أن تكون قاعدةً ينطلق من خلالها المصلحون والمجددون في هذا الزمان:

"لن يصلحَ آخرَ هذه الأمة إلا بما صَلُحَ به أولها، وما لم يكن يومها ديناً لا يكون اليوم ديناً" (5) .

الهوامش:

(1) كثيرٌ من الباحثين يجعلون بداية ظهور المدرسة العقلية الحديثة المتمثلة في سيد خان الهندي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده هي بداية الفكر الإسلامي المعاصر وذلك نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين، وهذا الآراء - في الحقيقة - إنما تؤرخ المدرسة العقلية الحديثة وليس الفكر الإسلامي الأصيل، والتعبير لها بـ (الفكر الإسلامي) فيه تسامحاً؛ لأن الفكر الإسلامي هو امتداد لما كانت عليه الأمة في زمن القرون الثلاثة المفضلة من الفهم والممارسة، وأما المدرسة العقلية فقد ابتعدت كثيراً عن ذلك المفهوم، وفي تقرير ذلك بحثٌ ليس هذا موضعه .

(2) عبدالرحمن بن خَلْدون، المقدمة، (ص2) .

(3) طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، (2/28) .

(4) نصر حامد أبو زيد: الخطاب والتأويل، نشر المركز الثقافي المغربي، ص 239 .

(5) القاضي عياض: الشفا بحقوق المصطفى، (2/88) .

إنَّ كشف معاني المصطلحات المتداولة وضبطها ورسم حدودها من أهم نشاطات البحث في الشأن الفكري بشكل خاص وفي الشأن المعرفي بشكل عام، وذلك للوصول إلى اتخاذ مواقف منضبطة تجاه المصطلح، واستعماله استعمالاً لا يتعارض مع مدلوله . وهو في ذات الوقت سياجٌ للحراك الفكري من الخلط والعبث، وحمايةٌ للعقل المسلم من الإرباك والفوضوى .

ذلك لأن عدم وضوح دلالة المصطلح يورِّثُ - أثناء استعماله - شيئاً من الضبابية الفكرية، والتميُّعِ العلمي، الأمر الذي يسمح (لقراصنة) الفكر من العلمانيين وأضرابهم من خطف ذلك المصطلح وتوظيفه توظيفاً غير نزيه، بعد إفراغ مضمونه من دلائله الشرعية، ثم تعبئته بالمضامين والتوجهات الغربية المنحرفة وتسريبها إلى العقل المسلم عبر ذلك المصطلح الذي قد يكون شرعياً في أصله .

والأمثلةٌ كثيرةٌ على ذلك، كالذي يحصل في هذه الأيام من الخلط بين مصطلح (الديموقراطية) بمفهومها العلماني و (الشورى) بمفهومها الإسلامي، وبين مصطلح (التعددية) بمفهومها الليبرالي و (الاختلاف) بمفهومه الشرعي، وبين مصطلح (التأويل) بمفهومه الباطني و (التأويل) بمفهومه القرآني، ونحو ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت