فهرس الكتاب

الصفحة 13148 من 27364

والجدير بالذكر، أنَّ هذه الخلط الفكري مِنْ قبل أدعياء الثقافة والفكر ومِنْ بعض الصحفيين وكتاب الجرائد في عالمنا العربي هو في الحقيقة ليس من بنيِّات أفكارهم أو من قراءاتهم الخاصة في التراث، فهم أجهل الناس بالتراث وبالمصطلحات الشرعية، وإنما هو من مخرَّجات المدرسة الاستشراقية - قديماً - التي لم تكن محايدة ولا دقيقة في دراساتها وأبحاثها، فجاء المثقفون في عالمنا العربي وقاموا بسرقة تلك المخرجات كأنها نتاج للبحث والدراسة الذاتية !

وسرقة المثقفين العرب وتوسلهم إلى تراث المستشرقين في الدراسات الإسلامية قصةٌ أخرى ينبغي أنْ تروى في غير هذا المقام .

أعود فأقول: إنِّ مصطلح (التجديد) أصبح مثالاً لهذه المصطلحات التي تعرَّضت إلى كثيرٍ من الخلط والعبث الفكري، حيث استطاع ثلةٌ من العلمانيين الملحدين، ومن العصرانيين المنهزمين أمام الحضارة الغربية، أنْ يستغلوا هذا المصطلح استغلالاً غيرَ علمي ولا نزيه، بتفريغه من مضمونه الشرعي، وجعله غطاءً على (تحريف الدين) و (إبطال الشريعة) ، حتى أصبح مصطلح (التجديد) يثير الريبة والتوجس والقلق بين عامة المسلمين .

أصالة مصطلح (التجديد) :

إن مصطلح (التجديد) - في أصله - مصطلحٌ ديني، جاء ذكره في خطاب الشارع، وهو قبل ذلك لفظٌ عربي له مدلوله الخاص في لغة العرب، ومدلوله اللغوي متوافقٌ مع مدلوله الشرعي؛ كبقية المصطلحات الشرعية المتوافقة في دلالتها مع المعنى اللغوي (اشتراكاً أو تواطئاً) ، كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك .

مفهوم التجديد في اللغة:

فالتجديد في لغة العرب كما تشير معاجم اللغة [1] : نقيض الخَلِق، أي: القديم، ويُقَال: جدَّد الشيء: صيِّره جديداً، أي: جعل القديم جديداً وأعاده إلى حالته الأولى، وجدَّد الثوب أي أعاده إلى أول أمره .

فالتجديد إذن في معناه اللغوي يتكوَّن من ثلاثة معانٍ متصلة، وهي:

1)أن الشيء المجدَّد قد كان في أول أمره موجوداً، وللناس به عهد .

2)أن هذا الشيء قد طرأ عليه ما غيره وأبلاه وصار قديماً .

3)أن ذلك الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة التي كان عليها قبل أنْ يبلى ويخلق" [2] ."

وفي القرآن الكريم جاء ذكر (التجديد) بمعنى الإحياء والبعث والإعادة، وهي معان تتفق مع المعنى اللغوي للتجديد، كما في قوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} (ق: 15) ، وقوله: {أئنا لفي خلق جديد} (السجدة: 1) ، قال ابن جرير:"منكرين قدرة الله على إعادتهم خلقاً جديداً بعد فنائهم وبلائهم" [3] ، وهذا التفسير - كما ترى - منسجمٌ مع المعنى اللغوي للتجديد .

المفهوم الديني للتجديد:

إذا تقرر هذا؛ فحينها عندما يأتي مصطلح (التجديد) في خطاب الشارع، كما في حديث صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) [4] ؛ فينبغي أنْ يُفهم على وفق مدلوله اللغوي، فيكون المقصود بـ (التجديد) :"إعادة الدين (مفهوماً وممارسة) إلى صورته الأولى قبل التحريف والإضافة"؛ وهذا هو المعنى الشرعي الذي ينبغي أنْ يفهم من خلال هذا الحديث، وهو المعنى الذي ينسجم مع التصور الكلي للنصوص الأخرى في هذا الباب:

-كحديث: (يرث هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين) [5] .

-وحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) [6] .

-وحديث: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين بغرسٍ يستعملهم في طاعته) [7] .

ونحو ذلك من النصوص التي تكوِّن في النهاية معنىً كلياً للمفهوم الشرعي لمصطلح (التجديد) .

ممارسة العلماء للتجديد بمفهومه الشرعي:

ولقد كانت ممارسة العلماء للتجديد عبر التاريخ على وفق هذا المفهوم، ولعلنا نستدعي هنا مقولة الإمام مالك التي ذكرناها في المقالة السابقة:"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها، وما لم يكن يومها ديناً لا يكون اليوم ديناً" [8] ، وهذا هو المسار الصحيح لعملية التجديد والنهوض بالأمة عند أئمة السلف .

وإذا أردنا أن نستعرض أدوار المجددين في تاريخ الإسلام لطال بنا المقام، كدور التابعي الجليل الحسن البصري في تجديد الشعور الديني لدى عامة الناس، ودور الخليفة الراشدي عمر بن عبدالعزيز في تجديد السياسية الشرعية في الإسلام، ودور الإمام الشافعي في تجديد المنهج العلمي في باب الاجتهاد والاستدلال، ودور الإمام ابن تيمية في تجديد التصور السلفي الأصيل ونقد التصورات الفلسفية والكلامية المنحرفة، ودور الإمام محمد بن عبدالوهاب في تجديد حقيقة التوحيد ومحاربة الشرك الخرافة، وهكذا في سلسلة من أهل العلم الذين مارسوا التجديد بمفهومه الشرعي، مع مراعاة كل واحدٍ منهم حاجة الزمان والمكان .

يقول أبو الأعلى المودودي:"المجدِّد: كل من أحيا معالم الدين بعد طموسها، وجدَّد حَبْلَه بعد انتقاضه ... والتجديد في حقيقته: تنقية الإسلام من كل جزءٍ من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصاً محضاً على قدر الإمكان" [9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت