فهرس الكتاب
ويقول الشيخ القرضاوي:"إن التجديد لشيء ما: هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر، بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد، وذلك بتقوية ما وهى منه، وترميم ما بلي، ورتق ما انفتق، حتى يعود إلى أقرب ما يكون إلى صورته الأولى ... فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم، أو الاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث مبتكر، فهذا ليس من التجديد في شيء" [10] .
الممارسة المنحرفة لمصطلح التجديد:
ومع هذا الضبط والوضوح للمفهوم الشرعي لمصطلح"التجديد"، إلا أن الممارسة الثقافية والدينية لبعض دعاة التجديد في واقعنا المعاصر تختلف وتبتعد كثيراً عن هذا المفهوم، إذْ أنها تتوسل وتستدعي أثناء ممارستها للتجديد ممارسات أجنبية مختلفة عن طبيعة الموضوع (= الإسلام) ، ولعل تلك الممارسات تجتمع في اتجاهات أربعة:
الاتجاه الأول:
وهو المتأثر في ممارسته بالحركة التجديدية الإصلاحية التي قامت في أوربا في بداية القرن الخامس عشر، والتي كانت تمارس نقد المسيحية الكاثوليكية آنذاك، وكان يقودها القس الألماني (مارتن لوثر) ، وقد نتج عنها بعد ذلك قيام المذهب البروتستانتي، الذي - بلا شك - أحدث شرخاً كبيراً في الكيان الديني (الفاتيكاني) المتسلِّط في أوربا .
والحركة البروتستانتية وهي وإن كانت تدعوا إلى العودة إلى تعاليم (الآباء الأوائل) للنصرانية، ونقد المفهوم البدعي القائم للنصرانية المتمثل في قرارات المجامع الكنسية، إلا أن نقدها - في الحقيقة - لم يكن نقداً إيجابياً بناءً، بل كان نقداً هدميّاً فحسب، فلم يقدموا تصوراً صحيحاً وبديلاً للديانة المحرَّفة، وإنما قدموا تصوراً آخر لا يقلُّ انحرافاً عما قبله .
ونحن نعتقد جازمين أن الحركة البروتستانتية عاجزة عن ذلك (أي تقديم البديل) ، لسببٍ بسيط، وهو فقد وغياب المرجعية الأولى للديانة النصرانية التي كان يمكن للبروتستانت وللإصلاحيين أن يقدموا من خلالها الصورة الصحيحة للديانة النصرانية .
وأقصد بالمرجعية الأولى: تراث نبيهم وتراث أصحابه الحواريين الذين اعتنقوا النصرانية الصحيحة التي أرادها الله، بل إن إنجيل المسيح الذي جاء به من عند الله = ضاع وفُقِدَ عبر التاريخ بإجماع الباحثين اللاهوتيين الغربيين، هذا إنْ صحَّ أنه جُمِع وكتب بالفعل . فضلاً عن تراثه أو تراث أصحابه .
إن تلك المرجعية الأولى هي الميزان الدقيق لمعرفة صحة أو بطلان جميع الأوضاع والممارسات التي كانت تمارسها النصرانية المتأخرة .
والحقيقة التي نعتقدها - نحن المسلمون - أن تلك المرجعية وإن ضاعت عبر التاريخ إلا أن جوهرها محفوظ في القرآن الكريم، وهو المصدر الإلهي الوحيد الذي لم تصل إليه يد التحريف والعبث .
أقول: بسبب ضياع وفقد تلك المرجعية، واستكبار النصارى عما هو موجود لدى المسلمين من الحق؛ تخبطت الحركة البروتستانتية في عملية التجديد تخبطاً كبيراً، ولم يقدموا سوى صورة جديدة للنصرانية المنحرفة .
ولذا فإن استلهام هذا التجربة الإصلاحية التي قامت بها الحركة البروتستانتية من قبل بعض المثقفين ودعاة التجديد في واقعنا الإسلامي = خطأ فادح، وسذاجةٌ في التفكير، وسوءُ فهمٍ لقراءة التاريخ، فالموضوع هنا يختلف اختلافاً كبيراً عن الموضوع هناك، فالإسلام هنا مرجعيته محفوظة، وتراث صلى الله عليه وسلم مدوَّن ومنقول إلينا بالسند الصحيح، وكذلك تراث أصحابه من بعده، بل وتراث أئمة الدين الكبار من التابعين وتابعيهم إلى زماننا . هذه المرجعية المحفوظة، هي التي أمكن من خلالها أنْ يقدم العلماء المجدِّودن عبر تاريخ الإسلام الصورة الصحيحة للإسلام .
الاتجاه الثاني:
ويسير عليه فريق من المثقفين العرب الذي تأثروا بالمذاهب المادية المنحرفة، كالماركسيين وأضرابهم، والذين كان"الدين"عقبةً أمام مشاريعهم الفكرية في المجتمعات الإسلامية، حيث عجزوا أن يمحوا آثاره من حياة الناس، وأدركوا أنَّ الإسلام متأصلٌ في قلوبهم .
فعمدوا حينها إلى مشروع وفاقي مع الإسلام (شكلياً) ، فبدأوا أولاً بالإعلان أنهم وجدوا ضالتهم في هذا الدين، ثم قرروا بأن الإسلام لا يتعارض مع النظرية الماركسية، ثم ظهر بعد ذلك مصطلح (اليسار الإسلامي) ومصطلح (الإسلام الاشتراكي) .
والمتابع لهذا الاتجاه يجد أنه ينطلق في ممارسته (للتجديد) من خلال مسارين:
الأول: بالتوسل إلى التراث والبحث في داخله عن أي معنى يتوافق مع الماركسية، وذلك من خلال إبراز الرموز المنحرفة في التاريخ الإسلامي، أو الإشادة بالحركات الثورية الباطنية المتهمة بالزندقة .
الثاني: محاولة تفسير النصوص الشرعية والوقائع التاريخية تفسيراً مادياً بحتاً يتوافق مع النظرية الماركسية، وذلك تحت شعار (تجديد الخطاب الديني) .
ولعل المفكر اليساري"حسن حنفي"، و"الطيب تزيني"، و"محمود أمين العالم"، نماذج واضحة على هذا الاتجاه .