فهرس الكتاب

الصفحة 13150 من 27364

وفي الحقيقة أن المقام لا يتسع لمناقشة هذا الاتجاه، ولكن لعلي أكتفي بالإشارة إلى أنَّ هذه الاتجاه لم يكن يمارس (التجديد) في حقيقة الأمر، وإنما مارس شيئاً أستطيع أن أسميه بـ (النفاق الفكري) أو (التزلف الفكري) أو (المداهنة الفكرية) ، فبدل أن يكشف هذا الاتجاه عن مشروعه الحقيقي بشكل واضح لا ملابسة فيه، حتى يكون أمره بيِّناً لدى الطليعة من شباب مثقفي الأمة، فيدركوا المقاطعة الواضحة بينه وبين الإسلام ... بدل أن يقوم بذلك؛ أخذ في التمسُّحِ بعتبة الإسلام ومحاولة الولوج فيه والبحث في داخله عما يوافق مشروعه الفكري، وذلك عن طريق العبث بالنصوص الشرعية ومحاولة تفسيرها تفسيراً لا يمت إلى العلمية والموضوعية بصلة، وهذا كله تحت شعار (تجديد الخطاب الديني !!) ، وهذا في الحقيقة أقرب إلى النفاق والتزلف منه إلى الوضوح في تبني الفكرة .

الاتجاه الثالث:

وهو ما أستطيع أن أسميه بالاتجاه"التبريري"، وذلك لكثرة تأويله للنصوص الدينية - خاصةً نصوص الأحكام - حتى تنسجم مع الواقع، خاصةً إذا كان النص ظني الدلالة ووقع الخلاف في دلالته، فبدل أن يجتهد أصحاب هذا الاتجاه في قراءة النص قراءة علمية على وفق المعايير الموضوعية عند علماء الأصول، بدل ذلك .. تتجه قراءتهم إلى تأويل النص تأويلاً ينسجم مع ظروف الواقع، تحت شعار (التجديد) .

فكأن الواقع هو المحور الثابت الذي يدور في فلكه النص، مع أن النص الديني في التصور الإسلامي هو المحور الثابت الذي يدور في فلكه ليس الواقع فحسب؛ بل الوجود بأكمله! قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك الله وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام: 2) وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ...} (الأحزاب: 36) ولهذا عبَّر الفقهاء الأوائل بالقاعدة الشهيرة: (لا اجتهاد مع النص) .

وهذا الاتجاه يسير عليه جماعة من المنتسبين إلى العلم والفكر الإسلامي، الذين واجهوا الحضارة الغربية وما أفرزته من تقدم هائل في التقنية والمعرفة ومجالات الحضارة، والتي أدَّتْ إلى افتتان كثيرٍ من المسلمين بالغرب العلماني، واستيراد نظمه التعليمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومحاكاته في أنماط الحياة وطريقة العيش، دون إفرازها وتنقيتها مما يخالف الشريعة، حتى تكونت مع الأيام فجوة كبيرة بين الشريعة وواقع المسلمين . فجاء هذا الاتجاه لردم هذه الفجوة؛ لكن ليس بإصلاح الواقع، وإنما بتأويل الشريعة حتى توافق ذلك الواقع .

ومشكلة هذا الاتجاه هي ذات المشكلة التي واجهت المتكلمين قديماً، فالمتكلمون قديماً كانوا يشعرون بإشكالٍ كبير عند تعارض العقل مع النقل في بعض المسائل الدينية، خاصةً في القضايا الإلهية .

علماً بأن هذا التعارض - في الحقيقة - ليس له وجودٌ في واقع الأمر، إنما هو موجودٌ في الأذهان، ولذا فهو نسبي يختلف من عقل إلى عقل، بخلاف النص الذي يمتاز بالثبات والحياد .

فبدل أن يتجه المتكلمون إلى درء تعارض العقل مع النقل بقدر المستطاع، أو اللجوء في نهاية الأمر إلى تحكيم النقل على العقل تعبداً لله تعالى، وتعظيماً للوحي الإلهي، واتهاماً للعقل البشري القاصر، مع الجزم بأن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح، لأن الله تعالى هو مصدر النقل وهو خالق العقل في نفس الوقت ... بدل أن يتجه المتكلمون إلى ذلك اتجهوا إلى تأويل النقل الصحيح حتى يتوافق مع ما يقوله العقل الذي قد يكون فاسداً في حقيقته، فحكَّموا العقل على النقل .

كذلك وقع العصرانيون في نفس الخطأ، عندما وجدوا أن الواقع في أغلبه يتعارض مع بعض النصوص الشرعية، فبدل أن يجتهدوا في إصلاح ذلك الواقع والقيام بواجب الدعوة ومحاولة تطبيق تلك النصوص في أرض الواقع؛ اتجهوا إلى تأويل تلك النصوص حتى تنسجم مع الواقع، بحجة أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان ! وأنه عندما توجد (المصلحة!) فثمَّ شرع الله ! وأن الشريعة قامت على الرفق والتيسير ! ونحو ذلك من الحجج التي يُستدَل بها في غير مواضعها، وهذا كله تحت شعار (التجديد!) .

ولهذا فإن خطاب (التجديد) الذي يتبناه بعض الدعاة والمفكرين المتأثرين بهذا الاتجاه لم ينجح في إصلاح واقع المسلمين إصلاحاً حقيقياً، لأنه كان خطاباً تبريرياً للواقع وليس خطاباً تغييراً نهضوياً يقارب الفجوة بين الشريعة وواقع الناس، مما أدى إلى استمرار التخلف وترسيخ المشاكل والأمراض التي تعاني منها الأمة !

ويعتبر الشيخ محمد عبده، هو المؤسس الفعلي لهذه الاتجاه، والذي سمي فيما بعد بالاتجاه (العصراني) أو (التنويري) ، وقد تأثر به جماعةٌ من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، كالشيخ محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، وسليم العوا، وفهمي هويدي .

الاتجاه الرابع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت