فهرس الكتاب
وهو ما يسمى بـ (الإسلام الليبرالي) أو (الإسلام الأمريكي) ، وهذا الاتجاه هو أحدث الاتجاهات ظهوراً في العالم الإسلامي وإن كان وجوده في أدبيات الفكر الإسلامي من قديم، ولعل الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - هو أول من تنبأ بظهور هذا الاتجاه وسطوته في الساحة الثقافية والإعلامية .
حيث ذكر الشيخ عبد الله عزام أن من مزايا سيد قطب الكثيرة:"نفاذ بصيرته وعمق نظره"، وفي هذا السياق يقول:"وكثيرًا ما كان سيد قطب يردد: (ستهب في المرحلة القادمة على المنطقة رياحٌ من الإسلام الأمريكي) وقد كان!" [11] .
فلما وقعت أحداث الحادي عشر من أيلول كانت هي الانطلاقة الفعلية في ظهور هذا الاتجاه وانتشاره بشكل ملفت .
وخطورة هذا الاتجاه تكمن في قوته والدعم المادي الذي يلاقيه من قبل أقوى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية، إضافةً إلى التمكين له في وسائل الإعلام المختلفة، بل هناك وسائل تعتبر الناطق الرسمي له، كقناة العربية، ومجموعة الأم بي سي، وقناة الحرة، وإذاعة سوا، وصحيفة الشرق الأوسط .
ونحن هنا إزاء ظاهرة فريدة، إذ تحول سؤال (التجديد) من مطلب داخلي تجسَّد على يد دعاة التجديد في العالم الإسلامي باختلاف توجهاتهم ومشاربهم، فرضه الواقع والانفتاح نحو الحضارة الغربية، تحول إلى مطلب خارجي من قبل (الاستعمار) ليصبح خطاباً إرغامياً إيديولوجياً من قبل القوى الأمريكية المتمثلة في حزب (المحافظين الجدد) ، أو خطاباً ملحاً فيه شيء من التهذيب والمتمثل في القوى الليبرالية الأمريكية .
والاتجاه الأمريكي في ممارسة تجديد الخطاب الديني، يقوم على اعتبار المصالح الأمريكية بشكل أساس بغض النظر عن مصالح الأمة، ويتبلور مشروعه: في إيجاد خطاب ديني جديد ومعتدل حسب المنظور الأمريكي يتمشى مع المصالح والسياسات الأمريكية في المنطقة العربية، ويحل مشكلة ما يسمى بـ (الإسلام الأصولي) الذي ينزع إلى المقاومة ويؤمن بالجهاد كإحدى فرائض الإسلام الكبرى ويقف موقف الرفض للثقافة الغربية التي تصطدم مع الثقافة الإسلامية .
ولعل أهم الوسائل التي يمارسها هذا الاتجاه في عملية"التجديد"هي التلاعب بالمصطلحات الدينية، ومنها مصطلح (الإسلام المعتدل) أو (الوسطي) حيث أصبح هذا المصطلح ينتشر كثيراً في الأوساط الإعلامية وفي الخطاب الثقافي العربي، ويُقصَد به: الإسلام الذي ينسجم مع المصالح الأمريكية في المنطقة عسكرياً أو اقتصادياً أو ثقافياً، وفي المقابل (الإسلام المتطرف) أو (المتشدد) ويراد به: المقاوم والممانع للسيطرة الأمريكية، مع أن (الاعتدال والتشدد) و (الوسط والتطرف) مفاهيم دينية خاصة لها مدلولاتها المحددة في الشريعة الإسلامية، إلا أنه بفضل الخطاب الليبرالي المتأسلم أصبحت تلك المفاهيم ذات مدلولات أمريكية بحتة .
ولعل المفكر المصري سعد الدين إبراهيم، وشاكر النابلسي، وهشام جعيط، وعبدالرحمن الراشد، وأحمد الربعي، أبرز من يمثل هذا الاتجاه .
والخلاصة؛
أن هذه الاتجاهات الأربعة لم تمارس (التجديد) على مفهومه الشرعي، وإنما مارست مفاهيم أخرى، ألصقت بمفهوم (التجديد) ، وهي أقرب - في الحقيقة - إلى مفهوم"الانحراف"و"التغيير"و"التبديل".
إن تجديد الإسلام ليس في نسف أصوله والتهجم على ثوابته، وليس في تجاوز نصوصه الدينية باسم المصلحة تارة أو باسم ضرورة الواقع تارة أخرى، وليس في تجاهل واحتقار تراث فقهاء المسلمين المنجز عبر التاريخ، وليس في تجاهل العلوم المعيارية التي تضبط حركة (الاجتهاد) الذي هو أساس حركة (التجديد) .
إنما التجديد في قناعتنا: عبارةٌ عن ممارسة تعبدية لها شروطها وأركانها يجب الالتزام بها، وله - في النهاية - رجاله المخلصون من أهل العلم والإيمان، الذين هم فقط من يمتلكون شرعية الحديث عن (التجديد) !
ـــــــــــــــــ
الهامش:
[1] انظر: الجوهري،"الصحاح"، ابن منظور،"لسان العرب"، 2/22 ، الفيومي،"المصباح المنير"، (92) .
[2] انظر: بسطامي سعيد،"مفهوم تجديد الدين"، ص / 15 ، أ.د. سيف الدين عبدالفتاح،"مفهوم التجديد"، موقع إسلام أون لاين .
[3] ابن جرير الطبري،"الجامع في بيان القرآن"، 13/91 .
[4] أخرجه أبو داود، والحاكم، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 599 .
[5] أخرجه الخطيب في"شرف أصحاب الحديث"، وصححه جماعةٌ من أهل العلم، كابن القيم في"مفتاح دار السعادة"، وابن الوزير في"العواصم من القواصم"، وحسنه القاسمي في"قواعد التحديث".
[6] أخرجه مسلم، برقم (3544) .
[8] أخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان .
[9] أبو الأعلى المودودي،"الموجز في تاريخ تجديد الدين"، ص / 13 - 25 .
[10] يوسف القرضاوي،"من أجل صحوة راشدة"، ص / 28 . وليت الشيخ القرضاوي التزم بما شرطه هنا للتجديد الصحيح، فقد وقع - عفا الله عنه - في بعض آرائه التجديدية ما يخالف شرطه هنا .
[11] عبدالله عزام،"عملاق الفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب"، نشر مركز شهيد عزام الإعلامي، باكستان، الطبعة الأولى .