محمد أبو رمان 15/3/1428
لم تستمر طويلاً بارقة أمل الشعوب والمجتمعات العربية بإرهاصات الإصلاح والدمقرطة التي انتعشت في السنتين السابقتين، مع تلك الموجة الخاطفة التي انطلقت بعد احتلال العراق. فسرعان ما انقلبت الأوضاع رأساً على عقب، وبدلاً من الارتقاء درجة في الديمقراطية حدثت نكسة أكبر باتجاه الطائفية والانقسامات الداخلية في العديد من الدول العربية، وعاد الاعتبار للدور الأمني سواء على الصعيد الداخلي- القطري، أم على صعيد العلاقات العربية- الأميركية ليحكم قبضته على الحياة السياسية العربية.
ثمة أسباب عديدة تُذكر في تفسير"الاستثناء الديمقراطي العربي"والانتكاسات المتتالية على هذا الصعيد، مقارنة بنماذج متعددة أخرى في العالم استطاعت جميعها تجاوز حالة النظم القمعية واستنشاق هواء الحرية؛ إذ لم يبق إلاّ الدول العربية في ذيل قائمة الديمقراطية العالمية مقارنة حتى بدول في إفريقية وأسيا وأميركا اللاتينية.
بلا شك هنالك دور كبير ومباشر تقوم به السلطة السياسة العربية اليوم، التي تتقاطع الديمقراطية مع مصالحها ونفوذها وسطوتها، ويُقال الشيء نفسه عن العامل الخارجي، الذي كان على الدوام مصدر إسناد ودعم للتسلطية العربية، وقد ظهر أثره السلبي بعد أحداث أيلول 2001، فبمجرد اهتزازه قليلاً تضعضعت هيبة السلطات العربية وأوجدت مساحة من الحركة والحرية للمعارضة.
لكن المسألة أبعد من السياق السياسي الرسمي، فعلى الرغم من استطلاعات الرأي - التي تجري في كثير من الدول العربية- وتظهر أنّ الأغلبية الشعبية تؤيد الديمقراطية ومضامينها المختلفة، فإنّ المسافة لا تزال شاسعة بين مجرد تأييد الديمقراطية وتجميلها في موقف الشعوب العربية، وبين وجود حامل اجتماعي وطبقة عريضة في المجتمع تؤمن بوضوح بأنّ الديمقراطية تمثل مصلحة أساسية لها، وأنها تتوازى مع أساسيات الحياة، وأنه لا يمكن الفصل بين لقمة الخبز والحرية بأي حال من الأحوال. فتلك الثقافة الديمقراطية المتجذرة في الوعي الاجتماعي العام مفقودة في العالم العربي.
قد يعترض البعض على الفكرة السابقة قائلاً إنّ الشعوب العربية تمتلك وعياً سياسياً متميزاً، وهنالك حركات معارضة شرسة في كثير من الدول العربية، وحراك وحوار سياسي قد لا تجد نظيراً له في كثير من دول العالم المتقدم. إلاّ أنّ هذه الدعوى يحاجة إلى تمحيص وتدقيق أكبر، فتلك المعارضة السياسية تقفز دوماً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخطاب وفي ممارستها، بينما تُعطي الأولوية لقضايا سياسية أخرى كالقضية الفلسطينية والعامل الخارجي، وتعلي من الجانب الأيديولوجي (أفكار قومية، يسارية، إسلامية) . مما انعكس طيلة العقود السابقة على مدى شعور المواطن العربي بأن الديمقراطية وحقوق الإنسان تأتي في مرحلة ثانية أو ثالثة أو رابعة.
القاعدة السابقة كُسرت في الآونة الأخيرة من خلال بروز حركات معارضة شعبية تعطي الأولوية للديمقراطية وتضعها في بؤرة اهتمامها وخطابها السياسي، وقد ظهر ذلك بصورة واضحة في سورية"المنتديات"وربيع دمشق، وفي مصر حركة كفاية. إلاّ أنّ هذه الحركة العربية الجديدة لا تزال تعاني من قصور الحامل الاجتماعي وضعفه مقابل وجود الحركات الأيديولوجية الأخرى كالإخوان المسلمين.
في هذا السياق يقدم المؤرخ المعروف هوبز باوم في كتابه"عصر الثورة أوروبا (1789-1848) تحليلاً لطبيعة الظروف التي وُلدت فيها كل من الثورة الصناعية والثورة الفرنسية والحراك الاجتماعي والثقافي الذي صاحب ذلك، وما يلفت الانتباه ويتطلب قراءة عربية معمّقة أولاً العلاقة التاريخية بين الثورة الصناعية والثورة السياسية، وثانياً أن التطور باتجاه الديمقراطية والخلاص من النظم الملكية المطلقة التي كانت تحكم أغلب المدن الأوروبية ارتبط بولادة طبقات اقتصادية جديدة (البرجوازيين الجدد) اشتبكت مصالحها مع بعض الأمراء والنبلاء والمثقفين للخلاص من النظام الإقطاعي- الديني السائد، وبالفعل ومن خلال عملية تاريخية وتسويات وصفقات سياسية تحركت السياسة الأوروبية باتجاه الأخذ بأفكار التنوير والإصلاح السياسي والتخلص من النظام السابق."
بالتأكيد، التاريخ الأوروبي مختلف تماماً عن الخبرة العربية، لكن الفكرة المهمة من قراءة هوبز باوم أنّ ولوج عصر الإصلاح مشروط بوجود طبقة اجتماعية تربط بقوة بين مصيرها ومصالحها ودورها ووجودها وبين الديمقراطية، وهو ما يدعو إلى قراءة اجتماعية ثقافية نقدية للمجتمعات العربية وتطورها، وصولاً إلى البحث عن الحامل الاجتماعي الصلب القادر على القيام بهذه المهمة التاريخية.