فهرس الكتاب

الصفحة 17368 من 27364

د. حاكم المطيري* 4/3/1424

لله عز وجل سننه الاجتماعية في نشأة المجتمعات الإنسانية وقوتها وضعفها، التي لا تتخلف نتائجها عن مقدماتها، ولا تنفك أسبابها عن مسبباتها، كما قال سبحانه: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب:62) ، وقد جعل الله سبحانه الظلم سبباً لخراب العمران، ومفضياً إلى ضعف الأمم وسقوط المجتمعات

الإنسانية كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود:117) ، أي - كما قال المفسرون: ما كان الله ليهلك أهل القرى بسبب الظلم، أي: الشرك به، ما داموا مصلحين بإقامة العدل والحقوق فيما بينهم، والإصلاح في شؤون حياتهم، ولهذا لم يهلك الله سبحانه كل من أشرك به حتى يزيد على ذلك الفساد في الأرض بالظلم والطغيان، كما أهلك فرعون وثمود وعاد بطغيانهم وعتوهم، وقوم شعيب بتظالمهم في الميزان فيما بينهم، وقوم لوط بفسادهم و انحلالهم ...إلخ.

وهذا معنى قول شيخ الإسلام:"إن الله يقيم الدولة العادلة؛ وإن كانت كافرة، ويخذل الدولة الظالمة؛ وإن كانت مسلمة"، وتاريخ الأمم والشعوب وحاضرها أصدق شاهد على صحة هذه السنة الاجتماعية واطرادها، والقياس الصحيح قاض باعتبار هذه القاعدة واشتراطها، فحيثما وجد العدل والإصلاح وجد الاستقرار والازدهار، وحيثما وجد الظلم والفساد وجد التخلف والدمار .

ومن السنن الإلهية الاجتماعية أن جعل الله مناط ذلك كله بمن يملك القدرة على تحقيق الإصلاح و إقامة العدل، أو عكسهما من الإفساد والظلم، وهم الملأ و أهل الحل والعقد؛ أي: من بيده السلطة والدولة، لا عامة الناس ،كما قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء:16) ، وفي قراءة"أمّرّنا"أي: جعلناهم أمراء فيها، فأفسدوا فيها .

ولم يقم دين سماوي شرعي، ولا مذهب أرضي وضعي إلا بقيام سلطة ودولة تتجلى فيها مبادئهما، وتنفذ على أرضها شرائعهما، ولا يتنكب عن ذلك أهل ملة، و لا يتجنبه أهل نحلة؛ فتقوم لمذهبهم دولة، فما كان ذلك قط، ولن يكون أبدا؛ بل تظل الأديان والفلسفات نظريات ذات أثر فردي محدود، قد يتحقق باعتناقها صلاح دنيوي أو أخروي لا يتجاوز نطاق الأفراد أبداً، ولا يصل إلى دائرة المجتمع ومجالات حياته ليصوغها وفق قيمه وتشريعاته، كما قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية11) .

ومن ينظر في تاريخ الأمم والشعوب يرى ذلك جلياً واضحاً، فلم يصبح الإسلام واقعاً يعيش المسلمون تحت عدل تشريعاته ورحمة أحكامه إلا بعد قيام دولته في المدينة، وكذا استطاع الشيخ المجدد (محمد بن عبد الوهاب) تحقيق مشروعه الإصلاحي بعد إقامة الدولة في الدرعية، وهو ما لم يستطع تحقيقه المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سبق إلى الدعوة إلى السلفية التي ظلت مضطهدة؛ حتى استطاع الشيخ محمد إقامة دولة تؤمن، بها وتذود عنها، وتدعو لها، ولم يعرف الغرب النظم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي طالما كانت حلما يراود المفكرين، وفكرة تطوف بخيال المصلحين فلم تصبح واقعا يعيشه الغرب إلا بعد الثورة الفرنسية سنة 1789م، بعد أربعة قرون من التضحيات ذهب فيها آلاف من المفكرين ورجال الدين والأدباء والعلماء حتى تحقق حلمهم، وقامت دولتهم وكذلك كان حال الاشتراكية قبل الثورة البلشفية سنة 1917م ، فقد ظلت نظرية منذ أن فلسفها وقعد لها (ماركس) في كتابه (رأس المال) ، وظن أنها ستقوم في ألمانيا، حتى نجح (لينين) في تحويلها إلى مشروع ثورة ونظام دولة، وقد استطاع الاشتراكيون والشيوعيون في كل دولة قاموا فيها من خلال الوصول إلى السلطة بتطبيق نظرياتهم لتصبح أكبر دول العالم وأعرقها في النظم الإقطاعية، كروسيا والصين دولاً ومجتمعات شيوعية اشتراكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت