فهرس الكتاب

الصفحة 11754 من 27364

إدريس الكنبوري 19/9/1424

أعطت الانتخابات الرئاسية التي أجريت في موريتانيا يوم الجمعة الماضي فوزا كاسحًا للرئيس الباقي معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في الدورة الأولى، على خلاف التوقعات التي ذهبت إلى أن مواجهة معاوية لدورة ثانية ستكون حتمية بسبب منافسة مرشحين له من العيار الثقيل، أبرزهم الرئيس الأسبق لموريتانيا محمد خونا ولد هايداله المطاح به عام 1984 في إنقلاب عسكري حمل الرئيس الحالي إلى السلطة.

انتخابات في أجواء مشحونة

يرجع تنظيم أول انتخابات رئاسية تعددية في موريتانيا إلى عام 1992 بعد ثماني سنوات على الانقلاب العسكري قاد خلالها الرئيس ولد الطايع البلاد بقبضة من حديد، غير أن المعارضة شككت في نتائجها، وانعكس ذلك توترًا في علاقة النظام بأحزاب المعارضة طيلة السنوات التالية، وفي 1997 جرى تنظيم انتخابات رئاسية ثانية قاطعها جل أحزاب المعارضة تنديدًا بأعمال التزوير التي شابت الانتخابات السابقة لها، وأبقت على ولد الطايع في السلطة بأغلبية 90% من الأصوات.

وقد جاءت الانتخابات الأخيرة في ظرفية شديدة التوتر داخليًا، طبعتها حالة المواجهة الصامتة أحيانًا والصاخبة أحيانًا أخرى بين النظام والمعارضة على خلفية عدة ملفات شائكة بينها، بالخصوص العلاقة التي سار فيها النظام في الأعوام الماضية مع الكيان الصهيوني، والتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية، والقضية الاجتماعية، وأوضاع حقوق الإنسان وحرية الصحافة، وهي قضايا خلفت استياءً واسعًا وسط الرأي العام الموريتاني والمعارضة في الداخل. فمنذ عام 1992 اختط النظام لنفسه مسارًا سياسيًا جلب عليه السخط الداخلي، وأوقعه في شبه عزلة إقليمية بسبب المواقف التي اتخذها من التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومحاولته الابتعاد عن حظيرة المغرب العربي وقمع الحريات.

وشهد عام 1999 أوج المواجهات الأمنية بين النظام والمعارضة بعد انكشاف قضية النفايات النووية الإسرائيلية التي تم دفنها في الأراضي الموريتانية مقابل مساعدات مالية للنظام الذي كان يتخبط في مشكلات اقتصادية صعبة، وتوقيع الحكومة في واشنطن على اتفاقية لرفع مستوى علاقاتها مع الدولة العبرية وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها. وكان ذلك بمثابة ترسيم للمسار السياسي الذي نهجه الحكم الموريتاني منذ حرب الخليج الأولى عام 1991، التي حسم خياره فيها بالانحياز إلى الولايات المتحدة الأمريكية طمعًا في الدعم الاقتصادي، وسمحت له أيضًا بالتخلص من الناصريين والبعثيين الموالين للعراق الذين كانوا يشكلون أبرز كتل المعارضة الداخلية ويمثلون تهديدًا لاستقراره السياسي.

ولا شك أن النظام الموريتاني وجد نفسه في أوضاع داخلية وإقليمية حرجة من جراء هذه السياسات. فالتوجه ناحية التطبيع مع الكيان الصهيوني خلق له مأزقًا إقليميًا بعدما اتخذت بعض البلدان المغاربية مواقف شاجبة لتلك الخطوة، واعتبرت ليبيا ذلك ضربة موجهة إلى الاتحاد المغاربي، أما التحالف مع الولايات المتحدة فقد دفع فرنسا الحليف السابق لموريتانيا إلى اختيار المواجهة المفتوحة معها عندما اعتقلت باريس ضابطًا موريتانيًا كبيرًا كان في زيارة لها عام 2000 بتهمة التورط في أعمال ماسة بحقوق الإنسان ضد شخصيات معارضة، كما أن الاتحاد الأوروبي نفسه ندد بأساليب التعذيب ضد السجناء الموريتانيين، ليكون ذلك الثمن الذي دفعته نواكشوط مقابل الابتعاد عن باريس والتقارب من واشنطن.

وبعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية التقت مصالح النظام الموريتاني مع مصالح الإدارة الأمريكية في المنطقة. فقد وجدت نواكشوط أن الخطاب العالمي الجديد المعبأ ضد الإرهاب والحركات الإسلامية قابل للتفجير داخليًا لضرب الإسلاميين الذين أصبحوا شوكة في أقدام السلطة، فشنت حملة اعتقالات واسعة في صفوفهم قادت إلى تضييق رقعة تحركاتهم وتقليص نشاطهم السياسي، ولم تتوقف تلك الحملات على الناشطين الإسلاميين؛ بل تعدتهم إلى الأئمة والدعاة والقضاة ودور القرآن بهدف تجفيف منابع التدين واستئصال كل خطاب إسلامي في المجتمع، الأمر الذي أدخل البلاد دائرة مظلمة من الاحتقان والتوتر الداخلي، وزاد في سجلها السلبي فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان.

الجيش: من الصمت إلى الكلام!

بالرغم من كون النظام الحاكم في موريتانيا ينحدر من الجيش، وجاء إلى الحكم عام 1984 إثر إنقلاب قاده الكولونيل ولد الطايع؛ فإن المؤسسة العسكرية ليست منسجمة، إذ تخترقها عدة تيارات سياسية وعرقية وجهوية تجعلها قابلة للتململ باستمرار، وتعكس درجة التقاطب الاجتماعي والقبلي في المجتمع الموريتاني، فهناك القوميون وبقايا البعثيين والناصريين وفئة الحراطين التي تنحدر من الأفارقة الزنوج في الماضي والمتعاطفون مع التيار الإسلامي الواسع. وقد كان الجيش في موريتانيا دائما يلعب اللعبة رقم واحد في شؤون الدولة، إذ إن جميع الانقلابات التي شهدتها البلاد منذ تأسيسها في بداية الستينات من القرن الماضي كان يقف وراءها قادة عسكريون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت