وبالنظر إلى ما تعرضت له أحزاب المعارضة من حملات قمع خلال السنوات الفارطة، أدى إلى تشتيت صفوفها، وكذا إلى فشل هذه الأحزاب في تشكيل جبهة موحدة بإمكانها إحداث التغيير المطلوب وموازنة قوة النظام؛ فإن الجيش ظل هو القوة الوحيدة القادرة ـ بحسب المراقبين الموريتانيين ـ على التحرك الفعلي وتحقيق اختراق لجبهة الحكم. هكذا شهدت موريتانيا في الثامن من شهر يوليو الماضي، حيث شهدت موريتانيا أولى محاولة انقلابية عسكرية منذ 1984، وقف وراءها"محمد فال"مدير عام الأمن الوطني الموالي للرئيس ولد الطايع، لكن الانقلاب تم إخماده بعد ساعات من بدء المواجهة المسلحة بين الانقلابيين والموالين للسلطة.
وقد أحيط بهذه المحاولة الكثير من الغموض والترجيحات، إذ زعم البعض أنها كانت مدبرة من النظام نفسه من أجل تبرير المزيد من الضغط وإعطاء المشروعية لسياساته الأمنية بعد أن أصبحت تلك السياسات تهدد استقراره، مستدلين على ذلك بسرعة القضاء على الانقلابيين مع أن النظام يوجد في وضع داخلي هش بسبب انفراط الإجماع الداخلي حول مواقفه العزولة، ورجحت أنباء وجود تدخل من الدولة العبرية وواشنطن لإخماد الإنقلاب وأن تيارًا مناوئًا لولد الطايع في الجيش كان وراءه، فيما ظلت غير معروفة الدوافع التي جعلت بعض الوحدات العسكرية التابعة للنظام دون أي ردة فعل، وهل كانت تنتظر المنتصر في النهاية لتقرر، وما إذا كان موقفها نابعًا من رغبتها في نجاح الانقلاب. لكن مهما كانت التقديرات؛ فإن تلك المحاولة فتحت أعين النظام الموريتاني على خطورة التهديدات الداخلية لاستقراره ودفعته إلى رص صفه في مواجهة التيارات المعارضة والقيام بعدة إصلاحات وتغييرات في هرم المؤسسة العسكرية، وبعد ذلك شرع النظام في شن حملة أمنية كثيفة ضد الإسلاميين، وبالتالي ترتيب بيته الداخلي في أفق الانتخابات الرئاسية، وهو ما جعل أحزاب المعارضة على قناعة بأن تلك الانتخابات ستكون حافلة بالمفاجآت.
مفاجآت الانتخابات
اتسمت الحملة الانتخابية الموريتانية بأجواء ساخنة منذ أيامها الأولى، حيث تبادلت أحزاب المعارضة والحزب الحاكم برئاسة ولد الطايع الاتهامات. فالمعارضة أكدت أن النظام عازم على تزوير الانتخابات من خلال أدلة متعددة ساقتها للتدليل على نية التزوير، منها مثلاً تعطيل تسليم بطاقات الانتخابات للناخبين المحسوبين على المرشحين المنافسين، وإقامة تجمعات انتخابية بتمويل من الحكومة لحشد التأييد لولد الطايع، واعتقال بعض أعضاء الأحزاب المعارضة، ثم تأخير فتح مكاتب التصويت يوم الاقتراع لمدة ساعتين في بعض الأقاليم بحسب ما تناقلته المعارضة، وتميزت الساعات الأخيرة قبل اقتراع السابع من نوفمبر باعتقال المرشح ولد هايداله مرشح الإسلاميين والقوميين وابنه وبعض مقربيه بعد اتهامهم بخزن أسلحة في بيوتهم والتبييت لخطة انقلابية، وصرح ولد هايداله قائلا إن:"هناك أعمال تخويف متنوعة، وأخشى ألا تكون الانتخابات تجري في أجواء من الشفافية"، بينما قال مسعود ولد بلخير أول مرشح عن فئة"الحراطين"التي دخلت الانتخابات إن هذه الأخيرة"غير مضمونة النتائج إطلاقًا، وتنطوي على مخاطر جمة"، أما أحمد ولد دادة مرشح تجمع القوى الديمقراطية؛ فقد أشار إلى أن هناك"عمليات تزوير انتخابي مكثف في مجمل أنحاء البلاد". وأكد هؤلاء المرشحون الثلاثة أن النظام الحاكم أوعز إلى بعض المرشحين دخول المنافسة كديكور تعددي وللمراهنة عليهم في حال كانت هناك دورة ثانية، مستدلين على ذلك بأن الترحيب بنتائج الانتخابات التي منحت الفوز لولد الطايع لم يصدر إلا عن هذا الأخير ووعيشة بنت جدانة المرأة الوحيدة التي شاركت في الانتخابات.
وبهذه الانتخابات تكون موريتانيا، الدولة المغاربية الأصغر حجمًا وتأثيرًا أيضًا، قد طوت صفحة أخرى من سجل النقاش السياسي الداخلي الحاد لفترة خمس سنوات أخرى قادمة، وفتحت نقاشًا آخر عن مدى التحديات الملقاة على عاتق الرئيس الباقي في الحكم، والتي تبرز على رأسها قضية الفقر الذي يمس نحو 49% من فئات الشعب الموريتاني، وقضية حقوق الإنسان والعلاقة بين المجتمع والدولة، والاختيارات الإقليمية والدولية الكبرى، وتحدي البناء المغاربي والمشروع المتوسطي، وحسم القضايا الخلافية التي ظلت عالقة على مدى الأعوام الماضية من مثل التوجه الفرنكوفوني للدولة ومسألة التعريب، وهي قضايا ستظل بلا أدنى شك موضوع سجال وجدل داخلي مستمر سيحكم مستقبل البلاد، ويبقي على التقاطب القوي بين الحكم وقوى المعارضة الرئيسة.