فهرس الكتاب

الصفحة 20233 من 27364

"عندما تصير الذات محكمة بالمحبة, تصير قوتها حاكمة للعالم, وتصير قبضتها من قبضة الحق, وينشق القمر بإصبعها" ( 29) .

يقول عن قصة آدم:

"وهكذا نرى أن قصة هبوط آدم, كما جاءت في القرآن, لا صلة لها بظهور الإنسان الأول على هذا الكوكب, وإنما أريد بها بالأحرى بيان ارتقاء الإنسان في الشهوة الغريزية إلى الشعور بأن له نفساً حرة قادرة على الشك والعصيان" ( 30) .

كما ينطلق في موضوع تعريف الجنة والنار, من مفهوم رمزي, لوصف حالة أهل الشقاء وحالة أهل السعادة.

حيث يقول:"الجنة والنار حالتان, لا مكانان, وجاء وصفهما بالقرآن, تصوير حسي لأمر نفساني" (31 ) .

أو رأيه في الموت فهو:"الموت عبارة عن عبور الأنا من حال, يرتبط بوجود جسد, إلى وعي جديد, ينتفي فيه عالم المحسوس والأبعاد والزمان والمكان".

وقد اهتم إقبال بموضوع الزمن, حيث وضع له فكرة فلسفية خاصة, فقال:

"إن الزمان الحقيقي هو الديمومة المحضة, أي التغيير من غير تعاقب, قام الفكر بتجزئتها."

إن الزمان هو مركب, ليس الماضي فيه متخلفاً, ولكنه متحرك مع الحاضر, ويؤثر فيه, والمستقبل يتصل بهذا الكل المركب, لا بوصفه موجوداً أمامه ليجتاز بعد, وإنما يتصل لهذا الشكل المركب, بمعنى أنه مائل في طبيعته, في صورة إمكان قابل للتحقيق.. هو ماهية الأشياء ذاتها, فهو القوة الكامنة التي تتحقق في الخارج" (32 ) :"

وعندما زار فرنسا, والتقى الفيلسوف برجسون (33 ) , كان حديثه حول الفلسفة, وعندما ذكر إقبال الحديث النبوي الشريف"لا تسبوا الدهر, فإن الله هو الدهر" ( 34) وثب برجسون عن كرسيه من شدة تعجبه من ذلك الحديث الذي يبني إقبال نظرته إلى الزمن من خلاله. ولقد وقع إقبال أسير منهجه المادي في تفسيره لهذا الحديث, حيث أوله هنا بمعنى الزمن المادي, ولا يخفى خطر التفسير المادي لمفهوم القدر عند أصحاب الفكر المادي.

وهذا التصور الذي أدهش برجسون, لا يستقيم مع الشرع, ولا مع اللغة, وظن بعض من ليس عنده علم, أن الدهر من أسماء الله.

جاء في مقاييس اللغة ( 35) :"دهر. هو الغلبة والقهر, وسمى الدهر دهراً, لأنه يأتي على كل شيء, ويغلبه, وقال أبو عبيد في هذا الحديث: معناه أن العرب كانوا إذا أصابتهم المصائب قالوا: أبادنا الدهر, وأتى علينا الدهر."

وقال شاعرهم:

رمتني بناتُ الدهر من حيث لا أرى

فكيف بمن يرمي وليس برام

فلو أنني أرمى بنبلٍ تقيتها

ولكنني أرمى بغير سهام

فأعلم رسول ا صلى الله عليه وسلم أن الذي يفعل ذلك بهم هو الله جل ثناؤه, وأن الدهر الذي هو الزمان, لا فعل له, بل هو مخلوق من خلق الله تعالى, ومن سبَّ فاعل النوازل والمصائب فكأنه سبَّ ربه, تبارك وتعالى"."

ويعَدُّ إقبال"مركز الحياة في الإنسان هو الذات أو الشخص, والشخصية حال من التوتر, يمكن أن تستمر فحسب, إذا استمر التوتر, بل ينبغي ألا يعمد الإنسان إلى الإخلاد والاسترخاء, وأن يبقى على حال التوتر, التي هي أهم إنجاز للإنسان, والتي تؤدي بنا إلى الخلود" (36 ) .

وتقوم فلسفة إقبال حول الذات بأنها تستمر, بعد الموت, بالنشاط والسعي الدائم.

وقد تعرض محمد إقبال لنقد شديد, لتمسكه بالأفكار الخاصة بالإنسان الكامل, والتي تلتقي مع أفكار نيتشه ودارون وماركس وغيرهم من الفلاسفة ولم ينكر أنه يلتقي بالأفكار, وإنما أنكر أن يكون قد أخذ ذلك عنهم فيقول:

"لقد كتبت عن المبدأ الصوفي, للإنسان الكامل, قبل أن أقرأ أو أسمع شيئاً عن نيتشه" (37 ) .

ونحن لا نهتم بمصدر أفكار إقبال, ولا نبحث من أين استلهمها, ولكن المهم هو مدى ارتباط هذه الأفكار بالإسلام, أو انحرافها عنه.

ونحن نتعامل مع إقبال باعتباره فيلسوفاً, وقد اعتمد على المنهج الفلسفي في تحديد أفكاره, وهو يعلن ذلك بل يؤكد سيطرة الفلسفة على الدين, حيث يقول:"ومما لا شك فيه أن للفلسفة الحق بالحكم على الدين" ( 38) .

كما أننا نتعامل مع إقبال باعتباره صوفياً, وقد جعل مشرده ورائده في ذلك جلال الدين الرومي المتصوف, وهو من أتباع القدرية الذين يؤمنون بوحدة الوجود.

وقد تعرض إقبال لنقد شديد من قبل العلماء المسلمين, وسأذكر هنا فصلاً موجهاً لإقبال خاصة, وللمدرسة الفلسفية عامة.

يقول سيد قطب:

"ثم إننا لا نحاول استعارة"القالب الفلسفي"في عرض"حقائق التصور الإسلامي"اقتناعاً منّا بأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين طبيعة الموضوع, وطبيعة القالب, وأن الموضوع يتأثر بالقالب, وقد تتغير طبيعته, ويلحقها التشويه إذا عرض في قالب في طبيعته عداء وجفوة عن طبيعته."

نحن نخالف"إقبال"في محاولته صياغة التصور الإسلامي في قالب فلسفي مستعار من القوالب المعروفة عند هيجل من"العقليين المثاليين"وعند أوجست كونت من"الوضعيين الحسيين".

لابد أن تعرض العقيدة بأسلوب العقيدة, إذ أن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة, يقتلها ويطفئ إشعاعها وإيحاءها.. ولسنا حريصين على أن تكون هناك"فلسفة إسلامية"ولا أن يوجد هذا القالب, فهذا لا ينقص الإسلام شيئاً, بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت