وإننا لا نستحضر أمامنا انحرافاً معيناً من انحرافات الفكر الإسلامي, أو الواقع الإسلامي, ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله, بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلي لنا.
أما البحوث التي كتبت للرد على انحراف معين, فأنشأت هي بدورها انحرافاً آخر, فأقرب ما نتمثل به في هذا الخصوص, توجيهات الأستاذ الإمام محمد عبده, ومحاضرات إقبال في تجديد الفكر الديني في الإسلام" ( 39) ."
وقد تحدث سيد عن محاولات المدرسة العقلية الفلسفية تعظيم دور العقل في مقابل الوحي, ونقل عن محمد عبده قوله:
"فالوحي بالرسالة الإلهية أثر من آثار الله, والعقل الإنساني أثر أيضاً من آثار الله. وآثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض, ولا يعارض بعضها بعضاً" ( 40) .
ثم استدرك سيد على محمد عبده ومدرسته, لتأثرهم بوجوب تأويل النص, ليوافق مفهوم العقل (41 ) .
وسأقتصر هنا على نقد سيد لمحاولات إقبال الذي ينتمي إلى المنهج المادي الحسي.
يقول سيد:"لقد واجه"إقبال"في العالم الشرقي بيئة"تائهة"في غيبوبة"إشراقات"التصوف"العجمي"كما يسميه!.. فراعه هذا"الفناء"الذي لا وجود فيه للذات الإنسانية. كما راعته"السلبية"التي لا عمل معها للإنسان ولا أثر في هذه الأرض -وليس هذا هو الإسلام بطبيعة الحال- كما واجه من ناحية أخرى التفكير الحسي في المذهب الوضعي, ومذهب التجريبيين في العالم الغربي. كذلك واجه ما أعلنه نيتشه في"هكذا قال زرادشت"عن مولد الإنسان الأعلى (السوبرمان) وموت الإله! وذلك في تخبطات الصرع التي كتبها نيتشه وسماها بعضهم"فلسفة"!."
وأراد أن ينفض عن"الفكر الإسلامي"وعن"الحياة الإسلامية"ذلك الضياع والفناء والسلبية. كما أراد أن يثبت للفكر الإسلامي واقعية"التجربة"التي يعتمد عليها المذهب التجريبي ثم المذهب الوضعي!
ولكن النتيجة كانت جموحاً في إبراز الذاتية الإنسانية, اضطر معه إلى تأويل بعض النصوص القرآنية تأويلاً تأباه طبيعتها, كما تأباه طبيعة التصور الإسلامي. لإثبات أن الموت ليس نهاية للتجربة. ولا حتى القيامة. فالتجربة والنمو في الذات الإنسانية مستمران أيضاً -عند إقبال- بعد الجنة والنار. مع أن التصور الإسلامي حاسم في أن الدنيا دار ابتلاء وعمل, وأن الآخرة دار حساب وجزاء. وليست هناك فرصة للنفس البشرية للعمل إلا في هذه الدار. كما أنه لا مجال لعمل جديد في الدار الآخرة بعد الحساب والجزاء.. ولكن هذا الغلو إنما جاء من الرغبة الجارفة في إثبات"وجود"الذاتية, واستمرارها, أو الـ"أنا"كما استعار إقبال من اصطلاحات هيجل الفلسفية.
ومن ناحية أخرى اضطر إلى إعطاء اصطلاح"التجربة"مدلولاً أوسع مما هو في"الفكر الغربي"وفي تاريخ هذا الفكر. لكي يمد مجاله إلى"التجربة الروحية"التي يزاولها المسلم ويتذوق بها الحقيقة الكبرى."فالتجربة"بمعناها الاصطلاحي الفلسفي الغربي, لا يمكن أن تشمل الجانب الروحي أصلاً, لأنها نشأت ابتداء لنبذ كل وسائل المعرفة التي لا تعتمد على التجربة الحسية.
ومحاولة استعارة الاصطلاح الغربي, هي التي قادت إلى هذه المحاولة. التي يتضح فيها الشد والجذب والجفاف أيضاً. حتى مع شاعرية إقبال الحية المتحركة الرفافة !
ولست أبتغي أن أنقص من قدر تلك الجهود العظيمة المثمرة في إحياء الفكر الإسلامي وإنهاضه التي بذلها الأستاذ الإمام وتلاميذه, والتي بذلها الشاعر إقبال.. رحمهم الله رحمة واسعة.. إنما أريد فقط التنبيه إلى أن دفعة الحماسة لمقاومة انحراف معين, قد تنشئ هي انحرافاً آخر. وأن الأولى في منهج البحث الإسلامي, هو عرض حقائق التصور الإسلامي في تكاملها الشامل, وفي تناسقها الهادئ. ووفق طبيعتها الخاصة وأسلوبها الخاص.." (42 ) ."
ونحن -وإن كنا نشارك سيداً في نقده لأفكار إقبال ومحمد عبده وفلسفتهما, إلا أننا لسنا معه في نظرته إلى جهودهم, فإننا اليوم نعاني من آثار جهودهم هذه, وإن ما يبذل لتصحيح الانحراف الذي أحدثته أفكارهم في العالم الإسلامي, ليس بالأمر القليل, ونحن نستطيع أن نجعل هذا الانحراف الذي وصل إليه إقبال ومحمد عبده انحراف بسيط, وننظر إليه كما نظر إليه سيد بأنه يمثل محاولة لتصحيح انحراف معين, والله أعلم أن الأمر أكبر من ذلك وأبعد مدى, ذلك أننا نرى ثمرة تلك الجهود التي تبذل من قبل دوائر الاستشراق وأتباعهم, والمحاولات المستمرة لإقرار هذه الأفكار في العالم الإسلامي.
وقد قام فريق من العلماء بتقديم أفكار إقبال إلى العالم الإسلامي وتصدير أفكاره خارج القارة الهندية.
ومن هؤلاء من فعل ذلك بحسن نية, ومنهم من ساهم في تقرير هذه الأفكار باعتبارهم تدعم جهود"المدرسة العقلية"التي قادها, الأفغاني ومحمد عبده.
وقد أثنى أبو الأعلى المودودي على إقبال وجهوده, باعتقاده أن إقبالاً"أعلن حرباً لا هوادة فيها ضد الغرب وحضارته المادية"وأن إقبالاً كان"الرجل الوحيد في عصره الذي لا يداينه أحد في تعمقه في فلسفة الغرب, ومعرفته بحضارته وحياته, فلما نهض يفند فلسفته وأفكاره المادية بدأ يذوب سحر الحضارة الغربية" (43 ) .