فهرس الكتاب

الصفحة 20235 من 27364

كما أن تقريظ أبي الحسن الندوي لشخصية إقبال وأفكاره وتأليف الكتب حول آثاره وروائعه, ساهم في غض الطرف عن انحرافات إقبال وتجاهلها, كما قامت جهود كبيرة في عرض فكر إقبال والثناء عليه, وترجمة إنتاجه الفكري والتركيز عليه كما فعل العقاد وعبد الوهاب عزام وهذه شهادات لها قيمتها بين شباب ( 44) الأمة الإسلامية. وبهذه الطريقة كان دخول إقبال إلى قلب العالم الإسلامي, رغم الانحراف الظاهر في فكره, وربما يطلع المودودي على أفكاره إقبال كاملة, وربما اغتر هؤلاء بما حصل له من مديح وثناء واهتمام, فغطت تلك السحابة من الدعاية على حقيقة أفكاره, أو نظر هؤلاء إلى الجهود التي قام بها إقبال في مجال العمل السياسي, في حلبة الصراع بين المسلمين والهندوس, حيث برز إقبال كمدافع عن حقوق المسلمين.

كما أن هناك شخصيات إسلامية لم تنخدع بهذه الدعاية الإعلامية المفتعلة, ولم يتأثروا بثناء المودودي أو مديح الندوي, وقد ظهر ذلك من خلال النقد الشديد الموجه من قبل سيد قطب, إلى فكر إقبال ومدرسته الفلسفية المتعلقة بأفكار هيجل من"المثاليين العقليين"وبأفكار أوجست كونت من"الوضعين الحسيين", فإذا كانت هذه أفكار إقبال, فكيف يغتر به أهل العلم من المسلمين؟! (45 )

ومما لاشك فيه كان لاهتمام الإعلام الغربي دور فعال في إبراز شخصية إقبال, وتسليط الضوء على أفكاره, فتناقلت أفكاره المراكز الثقافية الإعلامية الغربية -الخبيرة في صنع الإبطال- فتهيأت له الزيارات للمراكز العلمية, واستقبل فيها بوصفه فيلسوفاً عظيماً, فالتقى مع كبار الشخصيات الأوربية, سواء على المستوى الثقافي أو في مجال السياسية والإعلام, وقد اجتمع مع بعض رؤوساء الدول وقام بمدح بعضهم, مثل موسوليني.

ويثير إقبال سؤالاً ملحاً مثل غيره من دعاة تطوير الشريعة الإسلامية"هل شريعة الإسلام قابلة للتطور؟".

لذلك دعا إقبال إلى التجديد, من خلال مفهوم التغيير, فالتجديد عنده تغيير بالأصول, لا كما يفهمه المسلمون بأنه إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة.

وقد برزت دعوته هذه من خلال كتابه:"تجديد الفكر الديني في الإسلام".

وتقوم فلسفة إقبال في التجديد, من خلال النموذج التركي الذي نبذ الأصول القديمة, وتبني المناهج المعاصرة.

يقول حول ذلك:

"إن نهضة الإسلام لابد أن تحذوا حذو المثال التركي, وأن تفعل ما فعله الترك, فتعيد النظر في تراث الإسلام" (46 ) .

ويسخر إقبال من الأمم الإسلامية التي تدعو إلى التمسك بمذهب السلف فيقول:

"بعض الأمم الإسلامية اليوم يكررون القول بالقيم التي قال بها السلف, بطريقة آلية" ( 47) .

ويصف الانطلاقة التركية كأساس للتغيير, فيقول عنها:

"استيقظت من الرقاد الفكري, وهي وحدها التي نادت بحقها في الحرية العقلية"كما يقول:"لابد أن تستحدث تركيا مواقف توحي بآراء جديدة, وتقتضي تأويلات مستحدثة للأصول والمبادئ" ( 48) .

لقد كان يدعو صراحة إلى تبني أفكار الاشتراكية, ففي رسائله إلى جناه يقول:

"إلا أنه من الواضح لذهني أنه ما إذا تقبلت الهندوسية فكرة الديمقراطية الاشتراكية, فلابد لها أن تتوقف عن أن تكون هندوسية, أما بالنسبة للإسلام, فإن تقبل الاشتراكية الديمقراطية بشكل مناسب, يتفق مع أسس الشريعة الإسلامية, لا يعد ثورة, وإنما عودة إلى صفاء الإسلام الأصيل" (49 ) .

وبعد أن يستنكر الاشتراكية الإلحادية يقول:

"وفيما يتعلق بالاشتراكية, فإن الإسلام ذاته شكل من الاشتراكية" ( 50) .

وإن ما يقرأ حواراته مع تولستوي وكارل ماركس وهيجل ومزدك, وحديثه عن واينشتاين ونيتشه والرومي, سيجد أنه يعتبر الفلاسفة هم حكماء العالم, فيجري حواراً بين الحكيم الفرنسي كونت ورجل أجير, وبين القيصر ولينين, ويظهر فيها أفكاره الفلسفية.

وقد وجه إقبال نقداً للاشتراكية, بسبب فقدانها الجانب الروحي, واستنكافها عن الإيمان بالله تعالى.

ولا يعنينا أن يوجه إقبال نقداً للاشتراكية الماركسية, وإنما الذي يهمنا هو تبنيه لأسسها ومبادئها. وقد كان معجباً بمؤسس الاشتراكية كارل ماركس حيث يمدحه, ويعتبره نبياً رغم ضلالته.

"إن مؤلف رأس المال أتي من نسل إبراهيم"

أعنى النبي الذي لم يعرف جبريل

لأنه يحمل في طياته الحقيقة من خلال ضلالته

قلبه مؤمن رغم أن عقله مرتاب

ديانة ذلك النبي الذي لم يعرف الحق

مؤسسة على المساواة بين البشر" ( 51) ."

وقد خاطب في أحد كتبه ماركس, وتوسل إلى روحه, بأن تعلن استنكارها للاستغلال الذي ساد أوربا الغربية.

كما ينال لينين جانباً من تفكير إقبال, ويذكره في قصيدة له, فيتصوره في السماء, يلقي الخطب التي يدين بها الرأسمالية, ويطلب من الرب تدمير بيوت الأغنياء وحقولهم, وإصلاح حال العبيد في كافة أنحاء العالم.

الهوامش:

(1) ظلت النزعة الصوفية متغلبة على أفراد الأسرة حتى تأثر بها محمد إقبال فيما بعد.

(2) كل من كتب عن حياة إقبال, يذكر بافتخار علاقة إقبال, مع كبار المستشرقين, والفلاسفة الغربيين, واهتمام الإعلام الغربي به!!

(3) ديوان إقبال ترجمة عبد الوهاب عزام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت