فهرس الكتاب

الصفحة 1554 من 27364

د. عبد العزيز كامل

التاريخ (الرسمي) الحديث أكثره تاريخ مزيف؛ فأبطاله المعاصرون أكثرهم من الأصنام المصنوعة في صور ثوار ملهمين، أو قادة مصلحين، أو جنرالات وضباط وُصِفوا بالأحرار مع أنهم لم يكونوا سوى حلفاء ثم خلفاء للاستعمار، بعد رحيل هذا الاستعمار شكليّاً ومرحليّاً عن بلاد المسلمين خلال عقود خلت.

وقد جسد هؤلاء العملاء في وضوح مفضوح حقيقة التحالف السرمدي الدنس بين قوى الكفر الظاهر، وتكتلات النفاق المراوغ الذي يتقلب في ألوان الخداع والمكر محاولاً إخفاء حقيقته المعادية لله ولرسوله والمؤمنين: (( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ) [البقرة: 9] .

ولم تكن حقبة الثورات والانقلابات التي عصفت بالمنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين تحت مسمى (حركات التحرير) إلا تعبيراً عن تذبذب هؤلاء في الولاء بين الأمة وأعدائها؛ فهم قد قاموا بثوراتهم، وأطلقوا حركاتهم، وأسسوا أحزابهم باسم تحرير الشعوب، واسترداد السيادة، ومقاومة المعتدين، ولكن هذا الظاهر الطاهر كان يخفي وراءه باطناً شائناً تمثل في قهر الشعوب، وإضاعة مقدراتها، وتمكين الأعداء منها، ومع ذلك ظل هؤلاء (التحرريون) (( مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلَى هَؤُلاءِ وَلا إلَى هَؤُلاءِ ) ) [النساء: 143] ، والآية - كما قال ابن كثير - تتحدث عن قوم: «محيَّرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهراً أو باطناً، ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك؛ فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك (( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ) ) [البقرة: 20] (1) .

والمعروف أن الزعامات «التحررية» لم تزعم يوماً أنها تتبنى نهج الإسلام، بل إنها رفعت الرايات المناوئة له، وتبنت النظريات المتناقضة معه، حتى أوقعوا الناس معهم في حيرة بسبب التخبط في المناهج، ومحاولة إلصاق الباطل الذي يجيئون به مع الحق الذي جاء من عند الله، وقد وجدوا من المضللين من يلفق لهم خليطاً هجيناً ليصنعوا منه منهجاً وديناً (( وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) ) [النساء: 143] ؛ فمرة يتحدثون عن الاشتراكية الإسلامية، ومرة عن الديمقراطية الإسلامية أو الإسلام الليبرالي، وأخيراً يجري الحديث اليوم عن خداع جديد يتطلب مخادعين جدداً تحت مسمى (الإسلام المدني الديمقراطي) على ما سيأتي بيانه.

إننا على أبواب عهد جديد تغلق فيه الحقبة الثورية الصاخبة القديمة للتحريريين القدامى الذين أوغلوا في إضاعة الأمة وإضعافها، لنلج في مرحلة جديدة «أبطالها» جيل جديد من فصيلة «التحريريين» ولكن بلا رايات ثورية، ولا شعارات نارية، ولا حناجر ولا خناجر، جيل جرى تجهيزه في دهاليز المخابرات، وأوكار الجاسوسية؛ يمثله فئام من عملاء باهتين مدجنين، يرضون بالقوادة بدل القيادة، ولا يأنفون من الانبطاح لذوي «السيادة» من اليهود والنصارى أو غيرهم.

أما مناسبة تسميتهم بـ (التحريريين) مع كل هذا؛ فلأنهم يتواءمون ويتلاءمون مع مشروعات وأطروحات مرحلة جديدة من خطط (التحرير) الأمريكي التي بدأت في أفغانستان، ثم انتقلت إلى العراق ليجري الترتيب بعد ذلك للمزيد من عمليات (التحرير) ، كـ «تحرير» سوريا، و «تحرير» إيران، و «تحرير» لبنان، و «تحرير» السودان، وغير ذلك.

إنها مرحلة جديدة من عهود «التحرير» تختلف جذريّاً عن مراحل الجعجعات النفاقية السابقة بإزالة الاستعمار، ومقاومة الاحتلال، والمقاومة من أجل الاستقلال، إنها مرحلة يدافع فيها «التحريريون» الجدد عن «حسنات» الأجنبي، و «مناقب» المحتل، و «فضائل» المستعمرين الجدد.

وإذا كان التحريريون القدامى قد خبروا على مدى عقود طويلة كيف يخدرون الأمة بشعارات التحرير الزائفة الكاذبة لتجد نفسها في النهاية في أسر التبعية والعبودية؛ فإن التحريريين الجدد يختصرون الطريق، فيبشرون الناس مقدماً بالعجز والإفلاس، وضرورة الاستسلام المبكر باسم الواقعية، وهم يبذلون جهدوهم من الآن لتوطين الهزيمة، وتطبيع المشاعر لـ «التعايش السلمي» مع الغزاة المجرمين.

بين عهدين:

بالرغم من سطوع الحقيقة القائلة بأننا على أبواب عهد جديد من الممارسة النفاقية باسم التحرر؛ إلا أنني أقول إننا لم نَلِجْها بعدُ بشكل كامل، فلا زلنا نعيش في الفترة الانتقالية بين عهدي التحريريين القدامى والتحريريين الجدد؛ إذ لا تزال بقية من الثوريين والتحريريين القدامى تقاوم الفناء، وتستميت في استرضاء الأعداء بإحداث انقلابات فكرية جذرية موتورة، لا تقل في خفتها وسخافتها عن الانقلابات العسكرية الثورية التي كانوا يفاجئون الأمة بها بين آن وآخر.

ولأن هناك أجيالاً ناشئة قد نأت زمانياً أو مكانياً عن عهود التحريريين القدامى فلا بد من استرجاع شيء من مسيرة هؤلاء القدامى الذين مارسوا الإفساد باسم الإصلاح، ورسخوا التبعية باسم التحرير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت