فهرس الكتاب

الصفحة 10144 من 27364

ادريس الكنبوري 11/1/1423

في عصر هيمنة الاقتصاد الأمريكي ونمط الإنتاج الأمريكي،فإن الأفكارتتحول إلى سلعة تخضع لنفس قوانين البضائع، والقاعدة في هذا النمط الرأسمالي هي الإثارة وتحريك الغرائز، وهي نفسها مواصفات الاقتصاد الأمريكي الحديث، فعن طريق الإثارة وتحريك الغرائز يتم إقناع المستهلك بأهمية السّلعة وبعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، أصبحت أكثر الأفكار انتشارًا وقبولاً وسط الأمريكيين والأوربيين هي تلك التي تحترم هذه القاعدة،وتعمل على إثارة القارئ المتلقي وحفز غرائزه الحيوانية التي تقدس البقاء، لذلك لاغرابة أن نجد أكثرالكتابات انتشارًا كتابات أولئك الذين يقرعون جرس الإنذار من الخطر الإسلامي العالمي، ومن بين هذه الكتابات كتابات"صامويل هانتنغتون"و"فرانسيس فوكوياما"و"توماس فريدمان".

اندفع"فرانسيس فوكوياما"، الياباني الأصل الأمريكي الجنسية والموطن، إلى الواجهة في بداية التسعينيات, إثر طرح نظريته حول"نهاية التاريخ و الإنسان الأخير"في مقال طويل بإحدى المجلات الأمريكية، ومافتئ هذا المقال أن أصبح كتابًا وا سع الانتشار بسبب الأفكارالواردة فيه.

وبالرغم من أن هذه النظرية لم تكن جديدة حتى ذلك الوقت، إلا أن بعثها من جديد على يد"فوكوياما"في ظروف دولية دقيقة اتسمت بانهيار المعسكر الشيوعي بعد سبعة عقود من المواجهة الصامتة مع العالم الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة، منحها قوة التأثير وسحر المناسبة، فقد قال"بنهاية التاريخ"فيلسوف فرنسي من القرن الثامن عشر هو"الكسندر كوجيف"، كما أن الفيلسوف الألماني"فريدريك هيجل"قال بها، غير أن هذين الرجلين أبقيا نظريتهما حبيسة كتاباتهما الفلسفية النظرية، بينما وظفها"فوكوياما"سياسيًا في مرحلة عالمية دقيقة، كما أن هذا الياباني وجد بين يديه آلة قوية لم تكن متوفرة للفرنسي"الكسندر كوجيف"والألماني"هيجل"، وهذه الآلة هي بكلمة واحدة: الإعلام.

ونظرية"نهاية التاريخ"كما صاغها"فوكوياما"قبل عشرسنوات شائعة ومعروفة، حتى ليبدو مملا ً التذكير بها في هذا المقال، ويمكن تلخيصها في جملتين: بعد انهيار الشيوعية فإن الليبرالية الرأسمالية هي التي ستهيمن على مقاليد الأمور في العالم، ولم يتحدث"فوكوياما"في كتابه مطولا عن الإسلام، ولكنه اكتفى بالقول إن الإسلام لايمتلك القدرات الذاتية ليكون نموذجًا منافسًا، وهذه هي النقطة التي انطلق منها"صامويل هانتنغتون"في نظريته حول"صدام الحضارات"، إذ قال بالعكس، ورأى أن الإسلام والكونفوشيوسية قادران على أن يشكلا نموذجًا منافسا للحضارة الغربية، ومن ثم فإن سيناريو"صدام الحضارات"يبدو غير ممكن تجنبه. وينبغي التذكير بأن نظرية"صدام الحضارات"أنهت نظرية نهاية التاريخ وأثبتت فشلها بالنسبة للثقافة الأمريكية، وهذه أيضًا قاعدة في منظومة التداول الاقتصادي, ذلك أن العملة الحقيقية تطرد العملة الزائفة، إلى أن يثبت زيف الأولى، وهكذا وفق مبدأ المنافسة الرأسمالية. لكن"فوكوياما"عاد قبل أسابيع بمقال نشره في"نيوزويك"الأمريكية، ليكتب عن الفاشية الإسلامية، والحركة الإسلامية في العالم الإسلامي، ويعيد التذكير بنظريته مع إدخال تعديل عليها يجعلها مقبولة اليوم بعد تجاوزها، وما أضافه إليها في حقيقة الأمر"قوضها"من الأساس، فقد بدأ بالقول: إن النموذج الحضاري الغربي أصبح هو النموذج الأوحد بغير منافس بسبب زوال الشيوعية، وانتهى إلى القول بأن هذا النموذج يواجه تحديًا جديدًا هو الإسلام بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إن هذا يؤكد أن النظرية لم تكن مؤسسة على قاعدة صلبة، وإنما كانت رد فعل سياسيًا وإيديولوجيا استجابة لشروط معينة، ولم يكن مفاجئًا أن تتلقى تلك النظرية ضربة قاضية أخرى بعد الحادي عشر من سبتمبر من طرف الكثير من المفكرين الأمريكيين أنفسهم، وكتب الأمريكي ذو الأصل العربي فريد زكريا في"نيوزيك"مقالاً تحت عنوان"نهاية نهاية التاريخ"The end of the end of Histo r y عدد 24سبتمبر2001.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت