فهرس الكتاب

الصفحة 8356 من 27364

د.أكرم عبد الرزاق المشهداني (*

مخطئ من يظن أن السقوط الحقيقي الذي حدث في بغداد هو لحظة إسقاط (صنم ساحة الفردوس) ولكن الصحيح أنه كان في لحظة كسر أبواب المتحف العراقي تحت سمع ومشهد ورضا قوات الغزو الأمريكي، وترك المتحف نهباً للّصوص بأنواعهم، ولا يقصد بذلك الدلالة الرمزية لهذا الحدث المأساوي فقط، وإنما يؤشر كذلك إلى الدلالات الاعتبارية والاقتصادية في آن واحد.

إذا ما لاحظ المرء أن أصغر حضارةٍ عمراً في التاريخ (الولايات المتحدة الأميركية) قد فرضت الغزو والهيمنة على أقدم حضارة، تكون الدلالتان الرمزية والمادية متبلورتين أمام الناظر؛ لذا تؤكد وسائل الإعلام سوية مع المنظمات المتخصصة في العالم الغربي، على حقيقة مريرة مُفادها أن عملية النهب سواء كان المنظم أم الاعتباطي للمواقع الأثرية في العراق مازالت تجري على قدم وساق، إذ تستدل هذه الجهات على هذه الحقيقة عن طريق انتشار تجارة اللقى الأثرية والتحف الفنية العراقية التي لا تقدر بثمن في أسواق العالم، خاصة في الدول الغربية. هذا ما حدا بالصندوق العالمي للآثار لإدخال بلد بكامله (العراق) في حقل المناطق الأثرية المهددة. وهذا لا يشكل سوى الرأس المنظور من جبل الجليد الذي يخفي كتلته الأكبر مغمورة تحت مياه المحيط المظلمة!

وإذا ما كانت بعض اللقى والقطع الأثرية قد شوهدت في"التداول"بأسواق لندن ونيويورك وسواهما من العواصم التجارية الكبرى، فإن حجم أو كم هذا النوع من"السلع"الثمينة يبقى كبيراً وخافياً نظراً لأن تداولها محظور دولياً، ولأن هذه القطع الفنية تمثل العبقرية الجماعية لإنسان حضارة وادي الرافدين.

نهب تحت حماية الأباتشي

من يتذكر وقت اجتياح العراق ، يعرف تماماً كيف ساهمت هذه الدول وعلى رأسها أميركا بنهب الآثار العراقية جملة وتفصيلاً، ويعرف كيف كان يتم النهب المنظم بحماية الأباتشي والأسلحة الأميركية المختلفة وصورّت وقتها وسائل الإعلام هذا الحدث المهم ونقلوا الكاميرا إلى مقر وزارة النفط العراقية حيث احتشدت الدبابات الأمريكية تمنع حتى الموظفين العراقيين من الاقتراب من هذه الوزارة، يومها وبكل صفاقة طالعتنا"كونداليزا رايس"بتصريح استغربت فيه الحديث عن حماية وزارة النفط والسماح بنهب الآثار!!.. ومن ذلك اليوم حتى يومنا هذا شهدت العاصمة العراقية والمناطق الأثرية نهباً متزايداً للآثار، ومن الجدير ذكره أن بعض هذه القطع الأثرية ظهر في فرنسا ودول أوروبا، وبعضها الآخر تم ضبطه مع الجنود والإعلاميين الأميركيين الذي حاولوا تهريب هذه القطع إلى الولايات المتحدة الأميركية.

وعلى إثر كارثة بل فضيحة نهب آثار العراق، فقد استقال رئيس اللجنة الاستشارية للبيت الأبيض للشؤون الثقافية مارتن ساليفن يوم 14 أبريل 2003 أي بعيد احتلال بغداد بأسبوع، معتبراً أن نهب متحف بغداد كان مأساة يمكن توقعها ومنعها. وقد أثار نهب المتحف استنكاراً دولياً وتعبئة واسعة من أجل منع تشتيت هذا التراث الذي يمثل ذاكرة البشرية.

مأساة مريرة: لاشك أن الحديث عن مأساة آثار العراق المنهوبة يمتزج بمشاعر عميقة ومريرة بسبب عدم اكتراث العالم المتحضر وهيئة أممه المتحدة ولا مجلس أمنه، لهذا الوضع المأساوي لحضارة أرض الرافدين التي تبتطن كل بقعة منها جزءاً من قصة الإنسان الأولى نحو بناء الحضارة الآدمية. بيد أن ما قيل ويقال حول هذا الموضوع يبقى حبيساً في الصفحات الثقافية التي تقرأ ثم تطوى، إذا ما قرأت من قبل أصحاب الشأن!!. هذا بحد ذاته مأزق للإنسان المرهف في كل مكان، خاصة إذا ما ارتقى بوعيه"الكوني"إلى مستوى الشعور بأن هذه المواقع الأثرية ليست ملكاً لأحد، فلا هي مُلك فقط لأحفاد السومريين والأكاديين والآشوريين والبابليين في بلاد الرافدين اليوم، بل هي من ممتلكات وتراث الإنسانية جمعاء، لأنها تقص أول قصة حدثت في التاريخ، حيث تم ابتكار الزراعة وتأسست أول قرية، ثم أول مدينة، وابتكرت أول عجلة في التاريخ، ومن هناك نشأت الكتابة، زد على ذلك قصة الصراع بين الإنسان المتوثب للاستقرار الحضري على ضفاف دجلة والفرات؛ لذا كان"الصراع الأول"في وادي الرافدين: بين الصحراء والماء، البداوة والحضارة، الارتحال والاستقرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت