فهرس الكتاب

الصفحة 8357 من 27364

إن قصة الكنوز الأثرية في بلاد الرافدين قصة"مأساوية"بكل ما تنطوي عليه اللفظة من معنى. فقد بدأت القصة مع عصر النهضة الأوروبية حيث بدايات حملات الارتحال إلى الشرق من أوروبا، ثم جاءت الاحتلالات والوصايات الأوروبية للمنطقة لتجعل من التنقيب عن الآثار"حرفة"فنية ولصوصية منظمة ملأت من بين معطياتها متاحف بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة بالتماثيل والثيران المجنحة والأختام الأسطوانية المستخرجة من تحت تراب وادي الرافدين. حتى إذا ما جاء الاستقلال السياسي للعراق كي يفتح الباب لشيء من الأمل للحفاظ على ثروات العراق الأثرية، وهي ثروات لم يزل معظمها"حتى اللحظة"دفيناً في مواقع تعد بعشرات الآلاف، تمتد ما بين دهوك والفاو. ومع هذا، ومع ظهور مؤسسات وطنية متخصصة وبروز مدرسة أثرية عراقية من الطراز الأول، وآثاريين عمالقة من عيار المرحوم طه باقر (مترجم أسطورة كلكامش) فإن دناءة نفوس بعض المتنفذين في الحكومات السابقة جالت بهم حد التطاول على عدد من هذه اللقى النفيسة لتهريبها وبيعها في مزادات من نوع"كرستي"عبر تجار وسماسرة متخصصين.

اهتمام يهودي بالآثار!: كان اليهود في مختلف أنحاء العالم ومازالوا من أكثر المهتمين بالآثار العراقية نظراً لأن أرض بابل هي جزء لا يتجزأ من إرثهم الروحي والديني، حيث قصة السبي البابلي واستقرار بعض سلالاتهم، على ضفاف النهرين العظيمين، دجلة والفرات. على هذه الضفاف الخضر المظللة ببساتين النخيل الغنّاء كتب الأحبار العبريون الأوائل تحت ظلالها الوارفة أهم النصوص الدينية العبرانية، فسجلوا أهم الوصايا القديمة، من التوراة إلى التلمود، على لفائف حفظت في أسطوانات معدنية مصفحة في مخابئ وأماكن سرية: منها ما بُني في جدران بيوتهم ومعابدهم، ومنها ما دفن في مواقع خاصة لا يعرفها سوى الأحبار ومن ورثهم من كبار الحاخامات.

لذا فإن أرض أور، الموطن الأول لإبراهيم أبي الأنبياء r ، زيادة على أرض بابل، إنما تمثل جزءاً مهماً مما يسمى في التراث الثقافي الغربي بأرض الكتاب المقدس، وهم لهذا السبب يهتمون بل ويستميتون من أجل استخراج مثل هذه الكنوز التي لم تعد يهودية فحسب، بوصفها جزءاً من الأرض التي تبتطنها أرض العراق. وقد وجه كبير الوثائقيين العراقيين أسامة النقشبندي نداء استغاثة بإعادة نسخ من التوراة مكتوبة على جلد الغزال سرقها اليهود من العراق بعد الغزو الأمريكي!

معسكرات الغزاة

أما الأمريكان، الذين أقاموا معسكراتهم في بعض المواقع الأثرية أو على مقربة منها، مثل زقورة أور، ومدينة بابل، وآثار النمرود، وتل عكركوف وغيرها، فإن اهتمامهم بالآثار العراقية لا ريب فيه، ليس فقط لأن هذه الآثار تريهم معنى هيمنة"العالم الجديد"على"العالم القديم"كتعبير عن الشعور بالقوة والخيلاء، بل لأنها كذلك سلع يمكن أن تحيل الضابط أو الجندي الأميركي البسيط إلى مليونير، حيث يمكن أن يدس ختماً أسطوانياً أو تمثالاً صغيراً، أقل حجماً من علبة الكبريت، في حقائب أمتعته، ليظهر في نيويورك أو لندن فجأة وهو يحمل ثمن مملكة بيده. وإذا كانت هذه الجماعات جلها من الأجانب الطارئين على العراق، حيث تغيب المسؤوليات التاريخية والوطنية والحرفية عند التعامل مع هذه الآثار الثمينة، ويبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً، هو: من الذي يمكن أن يؤتمن على الآثار العراقية؟ القوات الأجنبية، كما لاحظنا، لا يمكن أن تخدم التراث العراقي بذلك: فإضافة إلى انشغالاتها الآنية المباشرة، لا يمكن قط لهذه القوات أن تمنع جندياً، جاء للعراق من أجل المال أصلاً، من أن يحتفظ بشيء من آثار هذا البلد لل"ذكرى". أما الحكومة العراقية، فلم تتمكن حتى اللحظة من احتواء هذه المأساة بسبب المأزق الأمني المعروف. المنظمات الدولية، من اليونسكو إلى الصندوق العالمي للآثار، تخشى الوصول إلى العراق، وهي تكتفي بكتابة القوائم الخاصة بالإرث العالمي وبمواقع التراث القديم، هذا مأزق إنساني خطير فقد شهدنا كيف أقامت قوات الغزو الأمريكي قاعدة عسكرية في مدينة بابل الأثرية ومن ثم سلمتها للقوات البولندية، وتحدثت الأنباء عن دبابات قامت بهرس وتحطيم أرصفة قرميدية عمرها يزيد عن 3500 سنة إضافة إلى تصدع كامل بالجدران الأثرية التي قال عنها أحد الخبراء أنها غير قابلة للإصلاح بعد اليوم وهي في طريقها الى الدمار الكامل، و لنقل في سياق هذا الكلام تحطيم جدران وقطع أثرية أخرى كي تتحول إلى أكياس للمتاريس التي تقيمها القوات المحتلة الأميركية خوفاً من الهجمات التي تشنها المقاومة أو خوفاً من"نبوخذ نصر"القادم من أعماق الأرض والحضارة.

لقد حذرت منظمة اليونيسكو من أن الآثار العراقية معرضة للضياع بسبب عمليات التنقيب غير الشرعي، وبسبب ووجود القوات الأميركية في مواقع بابل وأور جنوب البلاد. جاء ذلك في كلمة ألقاها"كوتشيرو ماتسورا"مدير عام المنظمة، في الاجتماع الثاني للجنة الدولية للحفاظ على التراث الثقافي العراقي، المنعقدة في باريس.

محو حضارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت