فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 27364

عبد الله صالح

أثارت الزيارة التي قام بها وفد إسرائيلي رفيع المستوى للهند خلال اليومين الأخيرين العديد من التساؤلات حول واقع ومستقبل العلاقات الهندية الإسرائيلية التي بدأت تتوطد في السنوات الأخيرة، وتمتد إلى مجالات استراتيجية ودفاعية، فيما يمكن أن يقترب من التحالف الاستراتيجي، خاصة وأن هذه الزيارة تمخض عنها توقيع عدد من الاتفاقيات الهامة لتعزيز التعاون المشترك في مجال تطوير أسلحة الدمار الشامل، ومكافحة"الإرهاب"، وهو التعاون الذي يحظى - في جانب كبير منه - بدعم أمريكي واضح، وقد تمكنت إسرائيل من تطوير خبرات واسعة في هذين المجالين نتيجة مشاركتها لواشنطن في العديد من المشروعات ذات الصلة، وأهمها مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي عرفت بـ"حرب النجوم"والتي استطاعت إسرائيل من خلالها أن تمتلك تكنولوجيات كثيرة متقدمة، أبرزها تكنولوجيا الصواريخ المضادة للصواريخ، وأقمار التجسس والاتصالات، ووسائل الإنذار المبكر، والقيادة والسيطرة، وتكنولوجيا الرؤوس النووية الصغيرة.

وبينما يواصل الوفد الإسرائيلي مهمته شبه السرية في نيودلهي، إذا بصحيفة"وول ستريت جورنال"تنشر تعليقًا على هذه الزيارة تشير فيه إلى أن الهند وإسرائيل رغم اختلافهما في أمور كثيرة مثل الموقع، والمساحة، وعدد السكان، فإن الكثير من الروابط تجمعهما، فكلا الدولتين على حد زعم الصحيفة تعبران عن نظام ديمقراطي عريق، ويواجهان تهديدات"إرهابية"متماثلة، وهو ما يجعل الدولتين - وفقًا لما تراه الصحيفة - بمثابة ركيزتين أساسيتين في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة ما يسمى"بالإرهاب".

وادعت الصحيفة نجاح كل من تل أبيب ونيودلهي في إقناع واشنطن بعدم جدوى الاعتماد على الدول العربية والإسلامية"غير الديمقراطية"في حربها ضد ما يسمى بالإرهاب.

والحقيقة أن ما يجمع بين إسرائيل والهند هو المصلحة المشتركة، فالعلاقات السياسية والعسكرية بل وحتى التحالفات لا تنشأ بالضرورة بين دول متماثلة وإنما تصنعها المصالح، وتفرضها الضرورات، والعلاقات الهندية الإسرائيلية لا تستند إلى الهوية، كما أن هناك فروق هامة بين الدولتين، فالهند دولة ذات حضارة وميراث ثقافي وتاريخي طويل في آسيا، في حين أن إسرائيل هي كيان غير شرعي، أقيم بالقوة على أراضي الغير، كما أنه لا يمكن المقارنة بين الديمقراطية العريقة في الهند التي استطاعت أن تستوعب كافة العرقيات والديانات إلى حد ما، بالديمقراطية الشوهاء في إسرائيل التي تغتصب وتنتهك حقوق العرب والمسلمين، وتمارس ضدهم أفظع الانتهاكات.

وقد جاءت زيارة الوفد الإسرائيلي الأخيرة لنيودلهي، والتي ضمت عددًا من خبراء الدفاع والموساد الإسرائيلي بعد ستة أشهر من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي"سيلفان شالوم"والتي شكلت دفعة جديدة لدعم التحالف الهندي الإسرائيلي، وتعزيز التعاون القائم بين البلدين، حيث وقع الجانبان اتفاقًا عسكريًا هو الأخطر من نوعه منذ تدشين العلاقات الدبلوماسية بينهما قبل 12 عامًا، كما بحثا سبل توطيد التعاون في المجالات العسكرية والمخابراتية.

وتسعى كل من الهند وإسرائيل من خلال تعاونهما العسكري والمخابراتي إلى لعب دور إقليمي أكبر في جنوب آسيا بالنسبة للهند، وفي الشرق الأوسط بالنسبة لإسرائيل، أما فيما يتعلق بالتعاون في مجال مكافحة ما يسمى بالإرهاب فهو يجري بتنسيق وتعاون تام مع الولايات المتحدة كطرف ثالث إلى جانب الهند وإسرائيل، وهو ما ظهر من خلال المناورات الهندية الأمريكية التي جرت في المرتفعات الشرقية قرب جامو وكشمير خلال العام الماضي، وتواكبت مع زيارة شارون للهند.

وتحرص إسرائيل في علاقتها بالهند على وجه الخصوص إلى إضفاء مسحة من السرية عليها، وخاصة فيما يتعلق بالتعاون العسكري والمخابراتي، ربما خوفًا من تعرضها لعمليات من جانب بعض الجماعات الجهادية، أو حرصًا على عدم استثارة الولايات المتحدة التي تتحفظ على بعض جوانب التعاون الهندي الإسرائيلي، وخاصة فيما يتصل بالتعاون في مجال أنظمة الأسلحة المتقدمة ذات المنشأ الأمريكي.

والهند من أكبر وأهم الدول في جنوب آسيا، ليس فقط بالنظر لقوتها البشرية التي تعدت المليار نسمة، ولا بموقعها الجيوبولوتيكي الهام، وسيطرتها على خطوط الملاحة من بحر العرب والخليج إلى شرق آسيا عبر المحيط الهندي، ولكن أيضًا بالنظر لقوتها الصناعية والتكنولوجية التي جعلتها في مصاف الدول الكبرى بعد أن نجحت في اقتحام النادي النووي الدولي في عام 1947 بعد أول تجربة نووية لها، وحققت استقلالية ذاتية في تصنيع وتطوير احتياجاتها الدفاعية في كافة أفرع أسلحتها الرئيسية بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل، ووسائل إيصالها، واقتحامها الفضاء بأقمار صناعية متنوعة الأغراض، بل وأصبحت إحدى الدول المصدرة للسلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت