فهرس الكتاب

الصفحة 6456 من 27364

الإسلام اليوم- إدريس الكنبوري 6/9/1423

-كان اهتمام رواد أدب الأطفال الأوائل في العالم العربي نقل النموذج الغربي بحذافيره .

-إن المتأمل لمكتبة أدب الطفل في العالم العربي الآن يلحظ بونا شاسعا بين المشهود والمنشود .

-مشكلة النموذج هي المشكلة الرئيسية في أدب الطفل في العالم العربي اليوم .

-في الأدب الصهيوني للأطفال يمتزج الأدب بالتربية ، فتصبح التربية أدباً ، والأدب تربية .

-الحل هو إيجاد نموذج إسلامي حي لأدب الأطفال يخوض معركة المستقبل .

ارتبطت نشأة أدب الطفل في العالم العربي في المئة سنة الأخيرة التي شهدت ظهوره كفن مستقل ، بنظيره في أوربا، وهذا يعني أنه نشأ في إطار التقليد للأمم الغربية التي قطعت شوطا مهما في إبراز معالم هذا الجنس الأدبي وخصائصه النوعية ، فقد كان دافع الرواد الأوائل في العالم العربي من وراء الكتابة للطفل والترجمة إليه ، هو نقل التجربة الأوربية التي شكلت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن التالي له نموذجا نهضويا يحتذى .

غير أن هذا الإطار التاريخي لنشأة أدب الطفل أو الكتابة الأدبية للأطفال لم يكن يعني أن الرواد الأوائل في العالم العربي كان شغلهم الشاغل نقل النموذج الغربي بحذافيره، واستنساخ أدب الطفل الغربي بقضاياه وهمومه، وإنما المقصود فقط القول بإن بداية الاهتمام بالطفل والطفولة في الحقل الأدبي ارتبطت بالفكر الأوربي الذي انفتح عليه العرب والمسلمون في بداية القرن الفائت، وهكذا تمت العودة إلى التراث العربي والإسلامي للاغتراف منه واستلهامه في الكتابة للطفل ، وحتى في تلك الترجمات التي قام بها بعض الرواد للقصص والحكايات والأشعار الأوربية المكتوبة للأطفال، مثلما فعل أحمد شوقي مع"خرافات"لافونتين الفرنسي، بقي التراث الإسلامي الفني حاضرا في تلك التجارب، سواء من حيث المضامين والأهداف، أو من حيث الأساليب الأدبية العربية، إلى الحد الذي يختفي فيه الفاصل بين النص المترجم والنص الثاني، كما يتضح حين نقلب"الشوقيات". ويمكنني القول: إن تجربة الرعيل الأول من الكتاب والشعراء العرب في التأليف للأطفال كانت تجربة أصيلة ، ولعل مرد ذلك- من وجهة نظري على الأقل - إلى أن هؤلاء كان حافزهم التربية والتعليم وتكوين جيل متشبع بالقيم والمثل الكبرى للأمة، في فترة من الزمن طبعتها المواجهة مع الفكر الغربي الوافد، وهاجس التأصيل الثقافي والحضاري، فقد كان جل من كتبوا للأطفال في تلك الفترة ووضعوا اللبنات الأولية لأدب الطفل العربي هم من رجالات الحركات الوطنية التي واجهت الاستعمار، أو من حاملي مشعل النهضة في العالم العربي. ولم يكن الأدب العربي خاصة، والثقافة العربية عامة ، قد تلوثا بمظاهر الغزو الثقافي ، تحضرني هنا أسماء أحمد شوقي وعلال الفاسي وكامل الكيلاني ومحمد سعيد العريان .

لقد وضع هؤلاء وغيرهم من الجيل الأول قصصا وأشعارا للأطفال توخوا فيها التوجيه السليم والوعظ والإرشاد والتقويم والتزكية والإصلاح، وسعوا إلى غرس حب لغة الضاد في نفوس الأطفال، وصقل مواهبهم اللغوية. ولا يقلل التطور الذي حدث في أدب الطفل في المراحل اللاحقة من إنجازاتهم التي كان لها فضل التأسيس .

من النشأة إلى التغرب:

لقد كانت هذه النظرة السريعة إلى البدايات الأولى لأدب الطفل في العالم العربي ضرورية للتساؤل: هل استطاع أدب الأطفال العرب، أو الأدب العربي المكتوب للطفل، أن يستوعب هذه التجربة السابقة ويبني عليها ؟ .

لاشك أن القطيعة التي حدثت بين الرواد الأوائل والمبدعين اللاحقين في الكتابة للطفل قد أثرت كثيرا على وضعية أدب الطفل في العالم العربي . فالتجارب التي جاءت فيما بعد لم تحتفظ بنفس الفلسفة التربوية والاجتماعية التي حكمت الرعيل الأول، وأخذت تقتبس من الغرب الرأسمالي أو الشرق الشيوعي نماذجه الأدبية الخاصة بالطفل، بحسب التوجهات الإيديولوجية والفكرية التي سادت في العالم العربي خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، فبدأت مرحلة التغريب والغزو الثقافي في أدب الأطفال، بمثل ما كان عليه الحال في المجالات الأخرى من أدب وفكر وفن .

لقد تمت التضحية بالطفل العربي والمسلم لصالح الإيديولوجيات الشرقية والغربية التي حملت فلسفات تربوية واجتماعية متصارعة فيما بينها ، ومتناقضة في مجموعها مع هوية الطفل العربي الذي كان غائبا في حقيقة الأمر. فمن الواضح أن النماذج الغربية والشرقية لم تستجب لحاجياته ومتطلباته النفسية والروحية والعقلية، الأمر الذي أحدث شرخا كبيرا في هويته، زاده بلة التطور الذي هم صناعة ثقافة الطفل في الغرب التي اكتسحت البيوت في العالم العربي بفضل انتشار التلفزيون والإعلام السمعي البصري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت