فهرس الكتاب
كثر الكلام هذه الأيام عن الهدنة، وكثرت الاستفسارات عنها من حيث مشروعيتها، وبخاصة مع اليهود المغتصبين للأرض الإسلامية، وهل يدخل ما يسمى بـ"التطبيع"في الهدنة الشرعية؟
وهل يجوز للمجاهدين في فلسطين وفي غيرها من البلدان الإسلامية المغتصبة، أن يعقدوا هدنة مع عدوهم، إذا خافوا استئصالهم لقوة عدوهم وضعفهم؟
وحيث إن هذا الموضوع من أهم موضوعات الساعة، فلا بد من بيانه بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله وسيرت صلى الله عليه وسلم ، وما استنبطه علماء المسلمين في مؤلفاتهم، ليكون المسلمون على بينة من أمرهم من فقه دينهم، لا من العواطف وإطلاق الكلام بدون دليل.
وكثير من المسلمين المتحمسين لدينهم، والغيورين على أمتهم، الذين يقلقهم ما يرونه من عدوان على بلدانهم وعلى إخوانهم، في فلسطين والعراق وغيرهما من البلدان الإسلامية، يتوقون لجهاد عدوهم، وطرده من بلدانهم، يدفعهم إلى ذلك الحكم الشرعي الواضح الذي أجمع عليه علماؤهم، وهو أن من الحالات التي يكون الجهاد فيها فرض عين، أن يهجم العدو على بلاد المسلمين....
ثم إنهم يقرؤون في كتاب الله، وعده بنصر عباده المؤمنين على عدوهم، كما في قوله تعالى: (( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين(171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون )) [الصافات (173) ]
وقوله تعالى: (( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز]] [الحج(40) ]
وقوله تعالى: (( ياأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ) [محمد (7) ]
ومن الآيات التي تلهب عواطف الشباب المسلم وتدفعه إلى جهاد عدوه، بما يملك مما يعتبره قدرة، قوله تعالى: (( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) )البقرة [ (249) ]
ولهذا ينطلق هذا الشباب، مضحيا بنفسه، مهما قل عدده، وضعفت عدته، زاهدا في دنياه وزخارفها، لينال ما يشفي صدره، ويغيظ عدوه الظالم المعتدي، ولينال الشهادة عند ربه، وفي غمرة هذه العواطف الجياشة والرغبة الجامحة في التنكيل بعدوه، قد لا ينتبه لسنة طبيعية كونية شرعية، ينبغي مراعاتها مع الحكم الشرعي:
الحكم الشرعي هو جهاد العدو الذي أمر الله به، وأمر به رسول صلى الله عليه وسلم ، وطبقه هو وأصحابه ومن تبعهم من هذه الأمة.
والسنة الطبيعية الكونية الشرعية، هي القدرة التي إذا توفرت ترتب عليها الحكم الشرعي وهو وجوب الجهاد حتى يهزم العدو، وإذا فقدت سقط هذا الوجوب.
وهذه القدرة لها ركنان:
الركن الأول: وجود العدد الكافي من المسلمين، سالمين من الأعذار البدنية التي تمنعهم من قتال عدوهم، كالعمى والعرج والمرض المزمن وصغر السن ....
الركن الثاني: وجود آلة الجهاد من المال والسلاح اللذين يتيحان للمجاهد مقاتلة عدوه عادة.
والدليل على الركن الأول، قوله تعالى: (( ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ) ) [الأنفال (65) ]
وجه الدلالة من الآية أن الواجب على المسلمين، أن يقاتل الواحد منهم العشرة من عدوهم، ولا يجوز لهم الفرار من عدوهم في هذه الحال، فإذا نقص عدد المسلمين عن هذه النسبة، كأن يكونوا عشرين وعدد عدوهم ثلاثمائة، فلا يجب عليهم قتاله، بل هم معذورون في ترك قتاله.
هذا قبل أن تنسخ الآية بالآية الأخرى التي خفف الله تعالى فيها عن المسلمين، فأوجب فيها عليهم أن يقاتلوا عدوهم بنسبة واحد إلى اثنين، كما قال تعالى: (( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ) ) [الأنفال (66) ]
فلا يجب على المسلمين قتال عدوهم عند كثرته وقلتهم في ميزان الشرع، وهو أن يزيد عدد عدوهم عن هذه النسبة، كأن يكون عدده ثلاثمائة وعدد المسلمين مائة...
والدليل على الركن الثاني: قوله تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ) [الأنفال (60) ]
وجه الدلالة من الآية، أن المؤمنين مأمورون بإعداد العدة التي يستطيعونها، بحيث يترتب عليها رهبة عدوهم وخوفه منها، رهبة وخوفا يمنعانه من العدوان على المسلمين، فيفهم من ذلك أن القدرة الطبيعية الكونية مأمور بها شرعا كالحكم الشرعي.
فإذا نقص هذا الركن نقصا يغلب على الظن أنه يسلب المسلمين القدرة على هزيمة عدوهم، وقدرة عدوهم على هزيمتهم، سقط وجوب الجهاد عنهم، بل يجب عليهم الكف عن قتاله، إذا غلب على ظنهم أن الضرر المترتب عليه سيكون أعظم من الضرر الموجود.
ومعنى هذا أنه يجب أن يكون سلاح الفريقين متكافئا أو متقاربا، كالسيوف والخناجر والعصي والسكاكين، وكالمسدسات والرشاشات، وكالمدافع والصواريخ... ونحو ذلك مما تكون آثاره متقاربة على الجميع.