فهرس الكتاب
وهذا المعنى [وهو غلبة ظن المسلمين أن قتالهم عدوهم، سيترتب عليه ضرر أشد] تجب مراعاته في السلاح أيضا، فقد يكون عدد المسلمين مساويا لعدد عدوهم أو أكثر منه، ولكن سلاح العدو شديد الفتك بالمسلمين، ولا يوجد عند المسلمين سلاح يستطيعون به الدفاع عن أنفسهم به لضعف سلاحهم وعدم جدواه أمام سلاح العدو.
مثال ذلك وجود السلاح النووي عند العدو، والصواريخ العابرة للقارات، وسلاح الطيران الذي لا يوجد ما يدفعه عند المسلمين، فإذا كان المسلمون لا يملكون ما يمكنهم من دفع هذا السلاح عن أرضهم وشعوبهم، فلا يكلفون القتال المعتاد ضد العدو في هذه الحال، وبخاصة إذا كان الجهاد جهادَ طلب، لأنه سيترتب على قتال العدو حينئذ أن يعود بالنقض على أهداف الجهاد، وهي أن تكون كلمة الله هي العليا، وتحطيم الحواجز أمام الدعوة إلى الله، وحماية ديار المسلمين من العدوان....
أما إذا كان المقصود من الجهاد دفع عدوان العدو الذي تمكن من اغتصاب أرض المسلمين، كما هو الحال في الأرض المباركة"فلسطين"فإن الواجب على جميع المسلمين في هذا البلد، أن يتحدوا ويخططوا للقيام بمقاومة العدو الممكنة، وهي تتمثل في العصيان المدني، كالإضراب الشامل أو الجزئي، وحرب الكمائن التي تقوم بها الوحدات المنفصلة ذات التدريب العالي، مع التنسيق الممكن فيما بينها.
وإلقاء المتفجرات في صفوف مقاتلي العدو من الجيش النظامي وغيره، في أي موقع من مواقعه، وبأي وسيلة مشروعة ممكنة، بما في ذلك العمليات الاستشهادية، وتحطيم مرافقه كالجسور ومحطات الكهرباء ومخازن التموين، وغير ذلك مما يتيح للمجاهدين عمله، مما يلقي الرعب في قلوب عدوهم، ويشغله عن تقوية نفسه عليهم....
وهذا العمل مع ما فيه من التضحية بالنفس والنفيس، ومن تلقي الضربات الموجعة من العدو الغاشم الذي يملك من العدد والعدة ما لا يتحمله إلا أولو العزم من الرجال، فإن الآثار التي تحدثها عمليات المجاهدين النوعية التي لا يملكها العدو أشد نكاية فيه، وأشد تحطيما لمعنويات.
وقد تبين ذلك في المدة الأخيرة التي انطلقت فيها حركة الأقصى الجهادية، حيث ارتفعت ضحاياه ارتفاعا لم يسبق له مثيل، وتدنى اقتصاده إلى أدنى دركاته، وتحطمت معنويات جنوده، وأعلن بعضهم تمرده ونادى بعصيان أوامر قياداته، وأصيب كثير منهم بالأمراض النفسية...
وحزم بعض اليهود حقائبهم فارين من لهيب العمليات الفدائية، معاكسين بذلك الهجرة إلى الأرض المباركة... وتحركت الحكومة الأمريكية لنجدة اليهود بالوعد بإقامة دولة فلسطينية بجانب الدولة ما يسمى بالدولة الإسرائيلية، وهي حركة ظالمة هدفها القضاء على الحركة الجهادية الفلسطينية....
ولو أن الفلسطينيين أجمعوا أمرهم، وتعاونوا فيما بينهم على استمرار الحركة الجهادية المباركة، وصبروا وصابروا ووجدوا عونا معنويا وسياسيا وماليا، من إخوانهم العرب والمسلمين، لرأوا ما يسرهم في المغتصب اليهودي الذي أهان هذه الأمة، بسبب هوانها على الله لهوانها على نفسها.
ولكن مواقف بعض أبناء هذا الشعب الذين أغرتهم المناصب السياسية، والوعود اليهودية والأمريكية الوهمية، مواقفهم من الحركة الجهادية ومحاربتها، طمعا في الحلول السلمية، التي بدأت بمدريد وانتهت بأوسلو وما تبعها من مؤتمرات واجتماعات سياسية واستخبارية، تلك المواقف أضعفت الحركة الجهادية في الأرض المباركة.
وحالت بينها وبين سرعة تحقيق أهدافها، التي من أهمها اضطرار العدو اليهودي إلى الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، وتفكيك القرى المسماة بـ"المستوطنات"والكف عن العدوان المستمر على الفلسطينيين في هاتين المنطقتين...ثم تبدأ مرحلة جديدة من مقاومة العدو المغتصب لأرض المسلمين.... في حدود القدرة المتاحة للمسلمين.
وقد عانى المجاهدون في فلسطين من السلطة الفلسطينية، مشقات متتابعة، من اعتقال وتعذيب وإطلاق نار، ومع ذلك كله صبر المجاهدون على تلك المشقات، وكفوا عن الدفاع عن أنفسهم مع قدرتهم على ذلك، حرصا منهم على عدم تحقيق أهم أهداف اليهود من كل مفاوضاتهم مع السلطة الفلسطينية، وهو وقوع الاقتتال بين الفلسطينيين أنفسهم، بدلا من القتال بينهم وبين اليهود...
وعندما فشل اليهود والأمريكان في تحقيق هذا الهدف عن طريق ياسر عرفات وأركان إدارته، عزلوه وأصروا على نقل سلطته إلى من ظنوه سيحققه لهم.
وهاهي اليوم أمريكا وبعض الدول العربية تدعم المعين الجديد، الذي تعهد بضرب الحركة الجهادية في فلسطين، ومنع أي معونات مالية تصل إلى مؤسساتهم الخيرية، مقابل وعد يهودي أمريكي بإقامة دولة فلسطينية مؤقتة، وهو وعد مكذوب يعرفه القاصي والداني.
وقد تكفلت أمريكا واليهود والدول الغربية، بتقديم الدعم المالي والسلاح والتدريب للسلطة الجديد، مع إشراف الولايات المتحدة المباشر على تنفيذ هذه السلطة ما تعهدت به، من القضاء على الحركات الجهادية...
وهذا هو هدف اليهود والأمريكان، الذي إذا حققوه نقضوا عهودهم ومواثيقهم، فيما وعدوا به مما يسمى بخريطة الطريق، مع ما فيه من ظلم للفلسطينيين وإهانات لهم وإذلال.