فهرس الكتاب
ونحن المسلمين نعرف نقض عهود اليهود ومن ناصرهم من الصليبيين، من مصدرين:
المصدر الأول: كتاب الله منذ نزوله علىمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقد أخبرنا أنهم في تاريخهم الطويل، لا يفون بوعودهم وعهودهم ومواثيقهم في .
كما قال تعالى: (( أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ) ) [البقرة (100) ]
وقال تعالى: (( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) ) [النساء (155) ]
المصدر الثاني: واقعهم الذي يشهد على خيانتهم ونقض عهودهم وفسادهم في أي أرض سكنوها، وفي أي أمة أقاموا بين ظهرانيها، ويكفي أن نشير إلى خيانتهم رسول ا صلى الله عليه وسلم وأمته، من يوم وطئت قدماه المدينة، إلى يومنا هذا.
فكم اتفاقات عقدوها في عصرنا هذا مع من مد لهم يد السلم وتنازل لهم عن حقوق الأمة بدون إذنها، فخانوا وعدهم ونقضوا عهدهم معه، ولا زال يلدغ من جحر واحد مرات ومرات...
ومع ما نعرفه من نقض عهودهم، واستمرار ظلمهم للإسلام والمسلمين في كل أنحاء الأرض اليوم.
ومع استعلاء الإيمان، وعزة المؤمن وتوكله على ربه، وشجاعته وكرمه، ورغبته في دفع عدوان المعتدين، بل نشر دعوته في العالم، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ونصر المظلومين.
ومع يقيننا بأن الفئة القليلة من المؤمنين، تقف أمام الفئة الكثيرة المعتدية من أعداء الله وأعداء دينه وأوليائه المؤمنين، لا تهاب إلا خالقها ولا تخاف فيها لومة لائم.
ومع ما في قصص الأنبياء وتاريخ الأمم، وما ذكر في الآيات والأحاديث ونصوص السيرة النبوية التي سبقت الإشارة في هذا المبحث وغيره، من الدلالة على استعلاء المؤمنين على أعدائهم، معتمدين على ربهم الذي وعدهم بالنصر على أعدائهم.... مع كله، يجب أن نبين أن للمصالح والمفاسد والضرورات والحاجات أحكامها في شرع الله.
للمصالح والضرورات أحكامها
يجب هنا أن نبين أن سنن الله الشرعية، لا بد أن يصحبها الأخذ بالسنن السببية التي يجب على المسلمين مراعاتها والأخذ بها، وأن الله تعالى كلف عباده المؤمنين اتخاذ الأسباب، لتنفيذ ما أمرهم به شرعا، وأن العجز عن إيجاد الأسباب التي تعين على تنفيذ الأحكام الشرعية، يعذر به العاجز، ولهذا عذر الله تعالى بقلة العَدد كما سبق في قوله تعالى: (( الآن علم الله أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين… ) )بعد أن نزل قوله: (( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ) )وسبق كلام العلماء في ذلك، كما سبق أنَّ الله أمر المسلمين في مكة بالكف عن القتال، ومن أهم أسباب أمرهم بذلك، ضعفهم وقلة عددهم وقوة عدوهم وكثرته. [يراجع تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (1/525) ] . على الآية"77"من سورة النساء]
ثم إن الله تعالى لم يكلف المسلمين في المدينة قتال عدوهم قبل ترتيب شئونهم، الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولم يكلفهم ذلك إلا بعد أن أصبحت السلطة فيها للمسلمين بقيادة نبيهم r، وكان غالب جهادهم في المدينة جهاد دفع عدوان عدوهم، وليس جهاد طلبهم له
ومعلوم أن القاعدة الشرعية العامة، أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، لأن القدرة هي مناط التكليف، ولهذا شرع عقد المسلمين الهدنةَ مع عدوهم، عند الحاجة أو المصلحة.
تعريف الهدنة
الهدنة في اللغة العربية.
أصل الهدنة في اللغة العربية: السكونُ بعد الهَيْجِ، و هَدَنَ يَهْدِنُ هُدُوناً: سَكَنَ.
و هَدَنَه أَي سكَّنه، يأتي لازما ومتعديا.
و هادَنه مُهادَنَةً: صالحه، والاسم منهما الْهُدْنة.
ويقال للصلح بعد القتال والمُوادعة بين المسلمين والكفار، وبين كل متحاربين... و هادَنَ القومَ: وادَعهم. [تراجع مادة"هدن"في لسان العرب لابن منظور]
ومعنى الهدنة في الاصطلاح:"أن يعقد الإمام أو نائبه عقدا على ترك القتال مدة، ويسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة" [الإنصاف للمرداوي (4/211) المغني لابن قدامة]
قال شيخ الإسلام زكريا
"كِتَابُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ""وَتُسَمَّى الْمُوَادَعَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ"
وَالْمُسَالَمَةُ وَالْمُهَادَنَةُ لُغَةً الْمُصَالَحَةُ وَشَرْعًا مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ, وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْهُدُونِ, وَهُوَ السُّكُونُ.
تَقُولُ هَدَّنْتُ الرَّجُلَ وَأَهْدَنْتُهُ إذَا سَكَّنْته، وَهَدَنَ هُوَ سَكَنَ وَالأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قوله تعالى: (( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) )الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ (( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ) )الْآيَةَ، وَمُهَادَنَتُهُ r قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ , وَهِيَ جَائِزَةٌ لَا وَاجِبَةٌ" [أسنى المطالب شرح روضة الطالب] "
أقوال العلماء في مشروعية الهدنة