فهرس الكتاب

الصفحة 6307 من 27364

رضا عبد الودود / القاهرة 25/5/1426

بنظرة دقيقة على المشهد السياسي التركي يبدو للوهلة الأولى تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية التي تنذر بصيف ساخن لحكومة حزب العدالة والتنمية ، فبين ضغوط أمريكية متلاحقة ضد حكومة أردوغان لمعاقبته على موقفه الوطني من احتلال القوات الأمريكية للعراق ورفضه دخول القوات الأمريكية من الأراضي التركية ، مما دفع واشنطن لتفعيل ورقة الأكراد في الشمال العراقي واستخدام ورقة شرق الأناضول والحدود البحرية مع اليونان والورقة القبرصية وعرقلة جهود الانضمام للاتحاد الأوربي .

ووسط هذه التحديات أخذ البساط ينسحب من تحت أقدام حزب العدالة والتنمية بعد أن فقد الأغلبية المطلقة التي حصل عليها في الانتخابات البرلمانية المبكرة التي أجريت في 3 نوفمبر 2002 عندما استحوذ على ثلثي عدد المقاعد البرلمانية (368 مقعداً من مجموع 550 مقعداً) . وهو ما مكنه خلال العامين الماضيين أن يقوم بإجراء تعديلات دستورية واستصدار قوانين جديدة دون الحاجة لاستفتاء عام أو طلب الدعم من أي من الأحزاب داخل المجلس.

الاستقالة من العدالة

وقد بدأت هذه الأزمة الجديدة التي تواجه الحزب الحاكم في التفاقم عندما تقدم 11 عضواً من نوابه بتقديم استقالاتهم خلال الآونة الأخيرة (فبراير ومارس 2005) خاصة أن وزير الثقافة التركي والنائب بالبرلمان"أرجان مومجو"الذي ساهم بشكل فعال في حصول الحزب على الأغلبية المطلقة عام 2002 كان أبرز هؤلاء المستقيلين عن الحزب في 15 فبراير الماضي ليترك علامات استفهام كثيرة حول خروج 20 آخرين على الأقل من النواب عن الحزب الحاكم وتوجههم إلى إعادة إحياء دور حزب الوطن الأم (يمين الوسط) الذي كانوا ينتمون إليه في الماضي القريب بعد عدم تمكنه من الحصول على نسبة 10% من أصوات الناخبين التي تسمح للحزب رسمياً بدخول البرلمان، حيث لم يحصل الحزب إلا على نسبة 5.1% في انتخابات عام 2002، لكن مع تحول أعضائه الأصليين عن حزب العدالة والتنمية الذي دخلوا تحت مظلته في الانتخابات، فقد أصبح لحزب الوطن الأم الآن 6 مقاعد برلمانية، وعلى نفس الشاكلة، فقد انخفض عدد مقاعد الحزب الجمهوري المعارض أيضاً بعد سلسلة من الاستقالات من 178 مقعداً عام 2002 إلى 162 مقعداً الآن، وهو الأمر الذي سمح بدخول أحزاب أخرى للبرلمان مثل حزب الطريق القويم (6 مقاعد) والحزب الديمقراطي الاجتماعي (5 مقاعد) فضلاً عن ارتفاع عدد مقاعد المستقلين من 9 مقاعد إلى 12 مقعداً.

ورغم أن حزب العدالة والتنمية لم يفقد بعد الأغلبية البسيطة (276 مقعداً كحد أدنى) ، فإن مجموعة الاستقالات السابقة عن الحزب أصبحت تحتم عليه -بعد انخفاض عدد مقاعده بالبرلمان إلى 357 مقعداً- أن يلجأ للتفاهم مع الحزب الجمهوري المعارض أو يلجأ لحزبي الطريق القويم والوطن الأم كلما أراد إدخال تعديلات دستورية جديدة، وبمعنى أوضح، سيكون مضطراً للدخول في مساومة على كل مشروع تعديل يتعلق بالدستور مع أحزاب المعارضة التي ستطلب المقابل أو ستعوق المشروع.

حرب العلمانية ضد القرآن

كما شهدت الساحة التركية تفاعلات أخرى حيث احتدمت الحرب السياسية الباردة بين ركني الحكم في تركيا القصر الجمهوري ورئاسة الوزراء حالياً لتصل إلى ذروتها بعد إعلان (رئيس الجمهورية) أحمد نجدت سيزار عن معارضته المطلقة لتخفيف العقوبة على تنظيم دورات تعليمية لقراءة القرآن الكريم دون إذن من السلطات وفقاً للتعديل الجديد في قانون العقوبات مقابل ذلك يصر رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان على إدراجها في القانون الجديد . وتتخوف الفئات التي تقف ضد هذا القانون من أن تؤدي دورات حفظ القرآن الكريم إلى صياغة عقول وأفكار تهدد فيما بعد النهج العلماني السائد في البلاد، أما الذين يدافعون عنه ويرفضون وضع شروط على تعليم القرآن الكريم يرون بأن إتاحة التعليم الديني للمجتمع في حد ذاته رمز لتأكيد الممارسة الديمقراطية. وما يزيد مخاوف حزب الشعب الجمهوري أن أنباء تتردد عن خطوة لاحقة تدعو لها أصوات داخل حكومة حزب العدالة والتنمية لتدريس تعاليم الإسلام ضمن مناهج المرحلة الثانوية.

محاولات إلغاء قانون الملابس

وفي ضوء الحرب الباردة الدائرة على الساحة السياسية التركية بين التيار العلماني وحكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي بدت في الأفق انفراجة في محاولات أردوغان إلغاء قانون الملابس الذي يحظر ارتداء الحجاب بإعلان أركان مومجو (رئيس حزب الوطن الأم التركي) التضامن مع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان للتحرك في البرلمان لوقف قانون حظر الحجاب بدلاً من التوجه إلى الاستفتاء الشعبي لرفع الحظر عن الحجاب، وفق ما اقترحه أردوغان أخيرًا. حيث يملك حزب العدالة والتنمية 356 مقعدًا مقابل 13 مقعدًا لحزب الوطن الأم، بما يعني أن لدى الحزبَين أكثر من أكثرية الثلثين اللازمة لتعديل الدستور وإجراء تغييرات جذرية في بنية قانون التعليم العالي ومؤسسته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت